ظلال الحقيقة بقلم تاما

ظلال الحقيقة
الفصل الأول بداية الصمت
في قصر فخم يطل على أفق المدينة الصاخبة حيث تتراقص أضواء النيون على زجاج النوافذ العالية كانت ليلى تعيش حياة أشبه بلوحة فنية صامتة. لم تكن تلك الحياة التي حلمت بها فتاة في مقتبل العمر بل كانت واقعا فرضته عليها الأقدار وزواجا رتب بعناية فائقة من قبل العائلتين العريقتين. فارس زوجها كان رجل أعمال ناجحا يمتلك من الكاريزما ما يكفي لإبهار الجميع ومن الذكاء ما يؤهله لإدارة إمبراطورية مالية ضخمة. لكن خلف تلك الواجهة اللامعة كان هناك صمت يلف أرجاء قصرهما صمت عميق يفصل بين قلبين لم يلتقيا قط.
كانت ليلى تقضي أيامها في روتين شبه ثابت. تستيقظ مع خيوط الفجر الأولى تتناول إفطارها وحيدة على مائدة فاخرة تتسع لعشرة أشخاص ثم تتجول في أروقة القصر الواسعة أو تقضي بعض الوقت في حديقته الغناء. كانت تحاول أن تملأ فراغ حياتها بالقراءة أو الرسم أو حتى العزف على البيانو الذي كان يقف شامخا في إحدى زوايا الصالون الكبير. لكن مهما حاولت كان شعور الوحدة يطاردها كظل لا يفارقها. فارس من جانبه كان يغادر المنزل باكرا ويعود متأخرا غارقا في عالمه الخاص من الصفقات والاجتماعات. كانت لقاءاتهما نادرة ومحادثاتهما مقتضبة لا تتجاوز تبادل التحيات أو بعض الأسئلة الروتينية عن أحوال اليوم. كان كل منهما يعيش في جزيرته الخاصة محاطا بجدران من الصمت والبرود.
في إحدى الليالي استيقظت ليلى على شعور غريب. دوار خفيف وغثيان مفاجئ جعلها تهرع إلى الحمام. لم تكن تلك المرة الأولى التي تشعر فيها بذلك فقد تكرر الأمر في الأيام القليلة الماضية لكنها كانت تعزوه إلى إرهاق أو ربما نزلة برد خفيفة. لكن هذه المرة كان الشعور أقوى وأكثر إلحاحا. بعد أن هدأت قليلا نظرت إلى وجهها الشاحب في المرآة وحاولت أن تفسر ما يحدث لها. لم يخطر ببالها أبدا أن يكون السبب هو الحمل فالعلاقة بينها وبين فارس كانت أقرب إلى علاقة الأخوة منها إلى علاقة الزوجين. لم يكن هناك أي تقارب جسدي بينهما ولم يحدث أي شيء يمكن أن يؤدي إلى مثل هذا الاحتمال.
مرت الأيام وتزايدت الأعراض. أصبحت ليلى تشعر بالتعب والإرهاق بشكل مستمر وفقدت شهيتها للطعام بل أصبحت تنفر من بعض الروائح التي كانت تحبها. بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبها شكوك لم تجرؤ على البوح بها لأحد. قررت أن تستشير طبيبة لكنها ترددت كثيرا. كانت تخشى أن يكون ما تفكر فيه حقيقة فكيف ستواجه فارس وكيف ستفسر له ما حدث كانت تعلم أن هذا الأمر سيقلب حياتهما رأسا على عقب وسيزيد من تعقيد علاقتهما المتوترة بالفعل.
في صباح باكر وبعد ليلة طويلة من الأرق والتفكير اتخذت ليلى قرارها. ارتدت ملابسها بهدوء وتسللت خارج القصر دون أن يلاحظها أحد. توجهت إلى عيادة طبيبة نسائية بعيدة عن المنطقة التي تعيش فيها لتجنب أي أسئلة أو فضول. كانت نبضات قلبها تتسارع مع كل خطوة تخطوها وشعور بالخۏف والقلق يسيطر عليها. دخلت العيادة وجلست في غرفة الانتظار تحاول أن تبدو هادئة وطبيعية لكن عينيها كانتا تفضحان التوتر الذي يعتريها. عندما حان دورها دخلت إلى غرفة الكشف وقلبها يكاد يقفز من صدرها. كانت الطبيبة ودودة ومحترفة وطرحت عليها بعض الأسئلة الروتينية. أجابت ليلى بصوت خاڤت وهي تحاول أن تجمع شتات أفكارها.
بعد الفحص جلست الطبيبة أمام ليلى وعلى وجهها ابتسامة هادئة. قالت لها بصوت مطمئن مبروك يا آنسة ليلى أنت حامل. كانت الكلمات كالصاعقة التي نزلت على رأس ليلى. لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة وشعرت أن الأرض تدور بها. حامل همست بصوت بالكاد يسمع. نعم حامل في الشهر الثاني تقريبا. كل المؤشرات تدل على ذلك. أردفت الطبيبة وهي تشرح لها بعض التفاصيل عن الحمل وكيفية العناية بنفسها. لكن ليلى لم تكن تسمع شيئا كان عقلها يدور في دوامة من الأسئلة. كيف حدث هذا ومن أين جاء هذا الحمل كانت متأكدة تماما من أنها لم تقترب من فارس ولم يكن هناك أي رجل آخر في حياتها. شعرت بالخۏف والخجل والارتباك. كيف ستواجه فارس بهذه الحقيقة الصاډمة وكيف ستدافع عن شرفها الذي أصبح على المحك
خرجت ليلى من العيادة وهي في حالة من الذهول. سارت في الشوارع دون أن تدري إلى أين تتجه. كانت الكلمات تتردد في أذنيها أنت حامل. شعرت أن العالم كله قد انقلب رأسا على عقب. عادت إلى القصر وتسللت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. جلست على السرير وحاولت أن تستوعب ما حدث. كانت تعلم أن هذه اللحظة ستغير حياتها إلى الأبد وأن عليها أن تواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة. لكن كيف وكيف ستثبت براءتها في وجه اتهام كهذا كانت تعلم أن فارس لن يصدقها وأن هذا الحمل سيعتبر دليلا قاطعا على خيانتها. شعرت باليأس لكنها في الوقت نفسه شعرت بقوة داخلية تدفعها للدفاع عن نفسها . لم تكن ليلى الفتاة الضعيفة التي تستسلم للظروف بل كانت تمتلك من العزيمة ما يكفي لمواجهة أصعب التحديات. كانت تعلم أن الطريق سيكون طويلا وصعبا لكنها كانت مستعدة لخوض المعركة مهما كلفها الأمر.
في المساء عاد فارس إلى المنزل كعادته. دخل إلى غرفته وبدأ في تغيير ملابسه. كانت ليلى تجلس في غرفتها وقلبها يخفق بشدة. كانت تعلم أن عليها أن تخبره لكنها لم تكن تعرف كيف تبدأ. بعد تردد طويل خرجت من غرفتها وتوجهت نحو غرفة فارس. طرقت الباب بخفة وسمعت صوته يأذن لها بالدخول. دخلت ووقفت أمامه وهي تحاول أن تجمع شجاعتها. نظر إليها فارس باستغراب فقد كانت هذه المرة الأولى التي تأتي فيها إلى غرفته. هل هناك شيء سأل بصوته الهادئ المعتاد. أخذت ليلى نفسا عميقا وقالت بصوت مرتجف فارس أنا أنا حامل.
كانت الكلمات كالصاعقة التي ضړبت فارس. تجمد في مكانه ونظر إليها بعينين واسعتين لا تصدق ما تسمع. ماذا تقولين قال بصوت خاڤت يكاد يكون همسا. أنا حامل يا فارس. لقد ذهبت إلى الطبيبة اليوم وأكدت لي ذلك. كررت ليلى وهي تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها. نظر إليها فارس بنظرة لا تخلو من الشك والريبة. حامل وكيف حدث هذا سأل وصوته بدأ يعلو قليلا. أنا لا أعرف يا فارس. أقسم لك أنني لا أعرف. أجابت ليلى وعيناها تملؤهما الدموع. لا تعرفين قال فارس بسخرية مريرة. هل تظنين أنني غبي كيف يمكن أن تكوني حاملا وأنا لم أقترب منك.
بدأ الڠضب يتملك فارس. كانت الشكوك تتراكم في ذهنه وتتحول إلى يقين. أنت تخونينني يا ليلى! صړخ بها وصوته يرتجف من الڠضب. لا يا فارس! أقسم لك أنني لم أخنك أبدا! ردت ليلى وهي تبكي. إذن كيف تفسرين هذا الحمل هل نزل عليك من السماء قال فارس وهو يشير إلى بطنها. أنا لا أعرف يا فارس صدقني. أنا نفسي مصډومة مثلك. لا أصدقك! قال فارس وهو يدير ظهره لها. أنت كاذبة وخائڼة!.
شعرت ليلى وكأن سکينا قد طعن قلبها. كانت كلمات فارس أقسى من أي ألم جسدي. كيف يمكنك أن تقول هذا كيف يمكنك أن تشك في شرفي قالت بصوت مخڼوق. شرفك قال فارس وهو يلتفت إليها مرة أخرى وعلى وجهه نظرة ازدراء. أي شرف تتحدثين عنه وأنت تحملين طفلا ليس مني كانت تلك اللحظة هي بداية الصراع الحقيقي بينهما صراع لن يكون سهلا ولن ينتهي إلا بكشف الحقيقة كاملة مهما كانت مؤلمة.
الفصل الثاني صدمة الخبر
لم يكن فارس يصدق ما يسمع. كانت كلمات ليلى تتردد في أذنيه كصدى مزعج أنا حامل. كيف متى ولماذا كانت هذه الأسئلة تدور في رأسه كعاصفة هوجاء تقتلع كل ما بناه من ثقة وإن كانت هشة في هذه العلاقة. لم يكن زواجهما قائما على الحب بل على المصالح والتقاليد العائلية لكنه كان يعتقد أن هناك نوعا من الاحترام المتبادل بينهما. الآن يبدو أن كل شيء قد انهار.
نظر فارس إلى ليلى وعيناه تشتعلان بالڠضب والألم. هل تمزحين معي يا ليلى قال بصوت خاڤت يكاد يكون همسا لكن حدة كلماته كانت كالسياط. هذا ليس وقت المزاح. أنا جادة تماما. أجابت ليلى وعيناها تملؤهما الدموع لكنها كانت تحاول أن تتماسك. جادة صړخ فارس وهو يتقدم نحوها بخطوات سريعة. كيف تكونين جادة وأنت تقولين شيئا مستحيلا.
تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء وشعرت بالخۏف يتملكها. لم تر فارس غاضبا بهذا الشكل من قبل. أنا لا أعرف كيف حدث هذا يا فارس. أقسم لك أنني لا أعرف. قالت وهي ترفع يديها في محاولة للدفاع عن نفسها. لا تعرفين قال فارس بسخرية مريرة. هل تظنين أنني سأصدق هذه الكذبة السخيفة.
بدأ فارس يتجول في الغرفة ذهابا وإيابا وعقله يرفض استيعاب ما يحدث. كانت الصورة الوحيدة التي تتشكل في ذهنه هي الخېانة. من هو سأل فجأة وتوقف أمامها. من هو والد هذا الطفل كانت الكلمات كالصاعفة التي نزلت على رأس ليلى مرة أخرى. لا يوجد أحد يا فارس! لا يوجد أحد غيرك! صړخت بها وهي تبكي بشدة. لا تكذبي علي! قال فارس وهو يمسك بذراعها بقوة. قولي الحقيقة!.
شعرت ليلى بالألم لكنها لم تهتم به. كان ألم الاتهام أشد وأقسى. أنا أقول الحقيقة يا فارس. أقسم لك أنني لم أخنك أبدا. أنا لا أعرف كيف حدث هذا الحمل. أنا نفسي مصډومة مثلك تماما. كررت ليلى وهي تحاول أن تنظر في عينيه لعلها تجد بصيصا من التصديق. لكن عيني فارس كانتا تشتعلان بالڠضب والشك.
أنت كاذبة! قال فارس وهو يدفعها بعيدا عنه. أنت خائڼة! ! كانت تلك الكلمات كالسياط التي تلهب جسد ليلى. شعرت بالدوار وكادت تسقط على الأرض. كيف يمكنك أن تقول هذا قالت بصوت خاڤت يكاد يكون همسا. كيف يمكنك أن تشك في بهذا الشكل.
الشك قال فارس بسخرية. هذا ليس شكا يا ليلى هذا يقين. الدليل أمام عيني. أنت حامل وهذا الطفل ليس مني. فماذا تسمين هذا كانت حجته قوية ولم يكن لدى ليلى أي تفسير منطقي لما حدث. كانت تعلم أنها بريئة لكنها لم تكن تملك أي دليل يثبت براءتها. كانت في موقف لا تحسد عليه متهمة بچريمة لم ترتكبها ولا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها.
ترك فارس الغرفة وصفق الباب خلفه بقوة تاركا ليلى وحيدة في دوامة من اليأس والألم. سقطت على الأرض وبدأت تبكي بشدة. كانت تشعر أن العالم كله قد انقلب ضدها. كانت تتساءل لماذا يحدث لها