إعادة هندسة الثقافة المؤسسية: لماذا لم يعد خفض التكاليف كافياً لاستمرار الشركات في سوق عمل متقلب؟

تعيش الشركات حول العالم حاليا مرحلة  من التحولات المتسارعة  في بيئات الأعمال والأسواق  وذلك في ظل تغيرات اقتصادية  وتنظيمية  متلاحقة  فرضت على المؤسسات إعادة  النظر في الكثير من الأساليب الإدارية  التي اعتمدت عليها لعقود طويلة . وبينما كان خفض التكاليف وتقليص النفقات ينظر إليه باعتباره الحل الأسرع لمواجهة  الأزمات  بدأت التجارب الحديثة  تكشف أن هذا الخيار لم يعد كافيا وحده لضمان الاستمرار أو تحقيق النمو  بل قد يتحول في بعض الأحيان إلى عامل يحد من قدرة  المؤسسة  على التكيف والتطور.
إدارة  الشركات في صورتها التقليدية  اعتمدت لسنوات على إجراءات مباشرة  عند ظهور الأزمات  مثل تقليص الميزانيات أو تخفيض أعداد الموظفين أو تجميد بعض الأنشطة  التشغيلية . وكانت هذه الخطوات تمنح المؤسسات متنفسا ماليا مؤقتا في كثير من الحالات. لكن الواقع أظهر أن الأزمة  لا ترتبط دائما بحجم الإنفاق فقط  بل قد تكون مرتبطة  بنموذج العمل نفسه أو بطريقة  الإدارة  أو بضعف القدرة  على مواكبة  التغيرات المتسارعة  في الأسواق. ولهذا فإن التركيز على الأعراض دون معالجة  الأسباب الحقيقية  لا يؤدي غالبا إلى نتائج مستدامة .
وقد أظهرت العديد من التجارب خلال السنوات الماضية  أن المؤسسات التي تبنت سياسات تقشفية  صارمة  لم تحقق دائما التحسن المنتظر على المدى الطويل. ففي الوقت الذي بدت فيه المؤشرات المالية  أفضل لفترة  محدودة   بدأت آثار أخرى بالظهور داخل المؤسسة  مثل تراجع الابتكار وضعف الإنتاجية  وتآكل الثقافة  التنظيمية  الداخلية . كما أن تقليص الموارد بصورة  مستمرة  جعل بعض الشركات أقل قدرة  على المنافسة  مقارنة  بمؤسسات استثمرت في التطوير وإعادة  البناء بدل الاكتفاء بالتخفيضات السريعة .
أما برامج إعادة  الهيكلة  التي ركزت بشكل أساسي على تقليص النفقات  فقد حققت نتائج متفاوتة  بين مؤسسة  وأخرى. فبعضها نجح في تحسين أرقامه المالية  مؤقتا  لكن كثيرا منها واجه لاحقا تحديات أكبر نتيجة  فقدان الخبرات والكفاءات التي كانت تشكل جزءا مهما من ذاكرة  المؤسسة  ومعرفتها المتراكمة . ومع خروج هذه الخبرات  أصبحت القرارات أكثر تحفظا وأقل قدرة  على اقتناص الفرص الجديدة  في الأسواق المتغيرة .
وفي المقابل  بدأت المؤسسات الحديثة  تتجه نحو مفهوم مختلف يقوم على إعادة  تصميم الشركة  من الداخل بدل الاكتفاء بتقليص حجمها. ويشمل ذلك إعادة  توزيع المسؤوليات وتطوير أساليب القيادة  وتحويل الهياكل التنظيمية  الجامدة  إلى أنظمة  أكثر مرونة  وسرعة  في اتخاذ القرار. ولم تعد الكفاءة  تقاس فقط بحجم الوفر المالي الذي تحققه المؤسسة   بل بمدى قدرتها على الاستفادة  من مواردها والتكيف مع المتغيرات المحيطة  بها.
كما برزت الثقافة  المؤسسية  باعتبارها أحد أهم العوامل المؤثرة  في استدامة  الشركات ونجاحها. فالمؤسسات التي تعتمد على الضغوط المستمرة  وتقليص التكاليف دون رؤية  واضحة  تجد نفسها غالبا أمام تراجع في ولاء الموظفين وارتفاع في معدلات الاستقالات والتنقل الوظيفي. في حين أن الشركات التي تستثمر في بناء بيئة  قائمة  على الثقة  والمشاركة  وتمكين فرق العمل تكون أكثر قدرة  على تجاوز الأزمات والحفاظ على استقرارها لفترات أطول.
وفي الوقت الذي تواصل فيه بيئات الأعمال تغيرها بوتيرة  متسارعة   يبدو أن المؤسسات الأكثر قدرة  على البقاء ليست تلك التي تنفق أقل  بل تلك التي تعرف كيف تعيد تشكيل نفسها باستمرار وتبني نموذجا إداريا أكثر مرونة  واستدامة . فهل تنجح الشركات في مواكبة  هذا التحول؟ السنوات القادمة  ستحمل الإجابة .