علم النفس المهني يشهد اهتمامًا متزايدًا بمفهوم التركيز العميق بعد دراسات ربطت بين تقليل التشتت الرقمي وتحسن القدرة على التعلم

يعيش كثير من الناس حاليا حالة  من التشتت المستمر بسبب العالم الرقمي المليء بالشاشات والتنبيهات والإشعارات التي لا تتوقف  وهو ما أعاد الحديث بقوة  عن مفهوم  التركيز العميق  باعتباره واحدة  من أهم المهارات الذهنية  المطلوبة  في هذا العصر. فبعد سنوات طويلة  من الاعتماد المكثف على الهواتف الذكية  والتطبيقات السريعة   بدأت الأوساط الأكاديمية  والمهنية  تنظر بجدية  أكبر إلى التأثير الحقيقي لهذا التشتت على العقل البشري  خصوصا في مجالات التعلم والعمل والإبداع.
وخلال الفترة  الأخيرة   ازداد الاهتمام بالدراسات التي تربط بين تقليل المقاطعات الرقمية  وتحسن القدرة  على التركيز والاستيعاب. هذا الاهتمام لم يظهر من فراغ  بل جاء بعد أبحاث وتجارب عديدة  كشفت أن الدماغ يدفع ثمنا معرفيا كبيرا بسبب التنقل المستمر بين الرسائل والتطبيقات والتنبيهات الإلكترونية  طوال اليوم.
الانتباه اليوم أصبح أشبه بالمورد النادر  فالتحدي لم يعد في الوصول إلى المعلومات كما كان سابقا  بل في القدرة  على الحفاظ على التركيز وسط هذا الكم الهائل منها. الموظف والطالب وحتى المستخدم العادي يتعرضون يوميا لعشرات المقاطعات الرقمية  التي تجعل الانتباه لفترة  طويلة  مهمة  صعبة  أكثر من أي وقت مضى.
ويؤكد مختصون في السلوك المعرفي أن العقل لا يعمل بكفاءة  عندما ينتقل باستمرار من مهمة  إلى أخرى  حتى لو بدت هذه المقاطعات بسيطة  جدا. فالدماغ يحتاج إلى وقت ليستعيد تركيزه الكامل بعد كل انقطاع  ولهاذا يشعر كثير من الأشخاص بالإرهاق الذهني رغم أنهم لم ينجزوا سوى عدد محدود من المهام خلال يومهم.
هذا الواقع دفع باحثين وخبراء إلى إعادة  طرح مفهوم  التركيز العميق   وهو أسلوب يعتمد على تخصيص فترات زمنية  للعمل أو الدراسة  بعيدا عن أي مشتتات  بهدف الوصول إلى حالة  ذهنية  تسمح بالتفكير العميق والإنتاج بجودة  أعلى.
أما في مجال التعليم  فقد أظهرت دراسات حديثة  أن البيئة  الرقمية  الحالية  تؤثر بشكل مباشر على قدرة  الأفراد على التعلم طويل المدى. فاستخدام الهاتف أثناء الدراسة   حتى لو كان لثوان قليلة  فقط  يقطع سلسلة  التركيز ويضعف ترسيخ المعلومات داخل الذاكرة .
كما لاحظ باحثون أن الطلاب الذين يدرسون وسط إشعارات مستمرة  أو استخدام متكرر لوسائل التواصل الاجتماعي يواجهون صعوبة  أكبر في الفهم التحليلي والقراءة  العميقة   مقارنة  بمن يدرسون في أجواء أكثر هدوءا وتنظيما. ولا يتعلق الأمر بالتحصيل الدراسي وحده  بل يمتد أيضا إلى التفكير النقدي والقدرة  على حل المشكلات المعقدة .
فالعقل الذي يعتاد القفز السريع بين المقاطع القصيرة  والمحتويات السريعة  يصبح أقل قدرة  على الصبر الذهني والتركيز المتواصل  وهي مهارات ما تزال ضرورية  في الدراسة  والعمل والحياة  عموما.
وفي عالم رقمي يزداد ازدحاما كل يوم  يبدو أن  التركيز العميق  لم يعد مجرد وسيلة  لزيادة  الإنتاجية   بل تحول إلى ضرورة  للحفاظ على التوازن الذهني وجودة  الحياة . وربما تكون القدرة  على التحكم بالانتباه هي المهارة  التي ستحدد مستقبل الإنسان وسط هذا السيل المتواصل من المشتتات الرقمية  التي لا تتوقف أبدا.