مفهوم التعلم داخل سير العمل يكتسب زخمًا بين المؤسسات الكبرى كبديل للتدريب التقليدي طويل المدى

تشهد بيئات العمل اليوم حالة  من التحول الهادئ لكن العميق في طريقة  بناء المهارات داخل المؤسسات  فبرامج التدريب التقليدية  التي كانت تعتمد على الدورات الطويلة  المنفصلة  عن واقع العمل بدأت تتراجع شيئا فشيئا  لصالح نموذج أكثر مرونة  يدمج فيه التعلم داخل سير المهام اليومية  نفسها  وكأن المعرفة  لم تعد حدثا منفصلا بل جزءا من التفاصيل الصغيرة  التي يعيشها الموظف لحظة  بلحظة .
هذا الاتجاه الذي يشار إليه اليوم بمفهوم  التعلم داخل سير العمل  يعكس تغيرا واضحا في فلسفة  التطوير المهني داخل الشركات  إذ لم يعد الهدف هو إخراج الموظف من بيئة  العمل إلى قاعة  تدريب ثم إعادته لاحقا  بل جعله يتعلم وهو يمارس  في اللحظة  ذاتها التي تظهر فيها الحاجة  إلى المعلومة  أو المهارة  وهذا فرق يبدو بسيطا لكنه في الواقع يغير الكثير.
لفترة  طويلة  كانت المؤسسات تعتمد على نموذج التدريب الشامل  ورش عمل تمتد أياما  أو برامج مكثفة  تقدم دفعة  واحدة   لكن هذا النموذج بدأ يفقد قدرته على مواكبة  الواقع الجديد  خصوصا مع التسارع الكبير في تغير المهارات المطلوبة   وظهور أدوات رقمية  جديدة  بشكل متواصل  ما جعل المعرفة  نفسها أقرب إلى شيء متحرك لا يستقر على حال.
في المقابل  يفرض سوق العمل اليوم إيقاعا مختلفا تماما  أسرع وأقل صبرا على التأجيل  وهنا يظهر منطق التعلم أثناء العمل كخيار عملي أكثر منه مجرد توجه نظري  فالموظف عندما يواجه مهمة  جديدة  أو مشكلة  غير مألوفة  يكون في أعلى درجات الاستعداد لتلقي المعلومة  بل وتطبيقها فورا دون فجوة  زمنية  بين الفهم والتنفيذ.
وبدل أن تأتي المعرفة  في شكل دورة  طويلة   يتم تفكيكها إلى وحدات صغيرة  جدا  قد تكون تنبيها داخل نظام العمل  أو مقطعا إرشاديا قصيرا  أو توجيها فوريا يظهر في لحظة  الحاجة   وهذا الأسلوب يجعل التعلم أقرب إلى  مرافقة  ذكية   للموظف أثناء عمله  لا عبئا إضافيا عليه.
ومع ضغط الإنتاجية  المتزايد داخل المؤسسات  لم يعد من السهل تخصيص وقت منفصل للتدريب كما كان في السابق  لذلك أصبح دمج التعلم داخل بيئة  العمل حلا منطقيا لتقليل التوقفات  وفي الوقت نفسه الحفاظ على وتيرة  التطور المهني  وكأن المؤسسة  تحاول أن تتعلم وتنتج في اللحظة  نفسها.
اللافت في هذا التحول أنه لا يغير فقط طريقة  التدريب  بل يعيد تعريف فكرة  التعلم نفسها  فلم يعد التعلم مرحلة  لها بداية  ونهاية  بل عملية  مستمرة  تتداخل مع العمل اليومي بشكل طبيعي  بحيث يصبح الموظف في حالة  تطوير دائم دون أن يشعر أنه خارج مسار الإنتاج.
وهذا يفتح أيضا بابا مهما يتعلق بالفروقات الفردية  بين الموظفين  فكل شخص يمكنه أن يتعلم وفق سرعته الخاصة  ووفق احتياجاته المباشرة  لا وفق برنامج موحد قد لا يناسب الجميع  وهنا تظهر مرونة  هذا النموذج بشكل أوضح.
ولا يمكن تجاهل الدور المتصاعد للتكنولوجيا في دفع هذا الاتجاه  خصوصا مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي والأنظمة  الذكية  داخل المؤسسات  حيث أصبحت قادرة  على تحليل أداء الموظف واقتراح محتوى تدريبي مناسب له في اللحظة  المناسبة   أحيانا قبل أن يطلبه أصلا.
كما أن بيئات العمل الرقمية  الحديثة  جعلت من الممكن تحويل التدريب إلى تجربة  تفاعلية لا تعتمد فقط على القراءة  أو المشاهدة  بل على التطبيق الفوري داخل نفس الأدوات التي يستخدمها الموظف يوميا  وهذا ما يخلق نوعا من الارتباط المباشر بين المعرفة  والعمل.
وفي النهاية  يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق بوقت التعلم بقدر ما أصبح مرتبطا بكيفية  جعله حاضرا في كل لحظة  عمل  بطريقة  طبيعية  لا تقطع سير المهام بل ترافقها بهدوء  وكأن المعرفة  لم تعد شيئا يكتسب  بل شيئا يمارس باستمرار.