دراسات حديثة في علم النفس التنظيمي تربط بين تشتت الانتباه وضغوط العمل الرقمية وارتفاع معدلات الإرهاق المهني في بيئات العمل الحديثة

يبدو أن بيئات العمل الحديثة  لم تعد تعاني من نقص الأدوات أو ضعف في الإمكانات  بل من وفرتها الزائدة  إلى حد يربك الانتباه أكثر مما يدعمه. فخلال السنوات الأخيرة   ومع التوسع الكبير في الاعتماد على المنصات الرقمية  وأدوات التواصل المهني  تغير شكل العمل اليومي بشكل جذري  وأصبح أكثر سرعة  وتشابكا لكنه في الوقت نفسه أكثر استنزافا للذهن مما كان متوقعا في البداية .
هذا التحول لم يأت بلا ثمن. فبينما ساعدت التكنولوجيا على تسريع إنجاز المهام وتسهيل التنسيق بين الفرق  ظهرت في المقابل ظواهر متزايدة  ترتبط بالإرهاق الذهني وتراجع القدرة  على التركيز  وصولا إلى ما يعرف بالإرهاق المهني الذي بات حاضرا في قطاعات عديدة  بشكل لافت. والمفارقة  هنا أن المشكلة  لا تبدو مرتبطة  بزيادة  حجم العمل فقط  بل بطريقة  تدفقه المستمر على الموظف دون توقف تقريبا.
تبدو البيئة  الرقمية  اليوم وكأنها مساحة  لا تهدأ. رسائل بريد إلكتروني تتوالى  تنبيهات من تطبيقات إدارة  المشاريع  محادثات عمل لا تنقطع  واجتماعات افتراضية  تتكرر خلال اليوم نفسه كل ذلك يخلق حالة  من الانتقال المستمر بين المهام. ومع الوقت  يصبح التركيز العميق على مهمة  واحدة  أمرا صعبا  وكأن الذهن يعمل في وضع التبديل السريع بدل الاستقرار. الغريب أن هذا يحدث حتى دون زيادة  حقيقية  في حجم العمل  ومع ذلك يرتفع الشعور بالإجهاد بشكل واضح.
ومع هذا التدفق المستمر  ظهرت مشكلة  أخرى لا تقل تأثيرا  وهي صعوبة  الانفصال عن العمل نفسه. ثقافة  التواصل الدائم جعلت الموظف متوقعا منه أن يكون حاضرا للرد في أي لحظة  تقريبا  حتى خارج ساعات الدوام الرسمية . شيئا فشيئا تآكلت الحدود بين وقت العمل ووقت الراحة   وأصبح الانفصال النفسي عن بيئة  العمل غير مكتمل حتى في لحظات الاستراحة . أحيانا يبدو الأمر بسيطا في ظاهره  لكنه يتراكم بهدوء ليظهر على شكل توتر مستمر  واضطراب في الاسترخاء  وحتى ضعف في جودة  النوم.
إلى جانب ذلك  هناك دافع نفسي خفي يفاقم الوضع أكثر: الخۏف من تفويت المعلومات. هذا الشعور يدفع كثيرين إلى التحقق المتكرر من الرسائل والتنبيهات  حتى في أوقات يفترض أنها مخصصة  للراحة . ومع تكرار هذا السلوك  يتحول إلى نمط ذهني قائم على الترقب الدائم  وكأن العقل في حالة  استعداد مستمر لشيء ما لم يحدث بعد. ومع الوقت  يبدأ هذا النمط في استنزاف الطاقة  الذهنية  والعاطفية  بشكل تدريجي  وقد يقود إلى فقدان الدافعية  وتراجع الحماس تجاه المهام اليومية .
في النهاية  يتضح أن التشتت الرقمي لم يعد مجرد عرض جانبي لعصر التكنولوجيا  بل أصبح عنصرا مؤثرا في تشكيل تجربة  العمل نفسها. وبين وفرة  الأدوات وسرعة  التواصل  يجد الموظف نفسه أمام تحد يومي للحفاظ على انتباهه وسط هذا التدفق المستمر. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا لم يعد: كم نملك من أدوات رقمية ؟ بل كيف نستخدمها دون أن نفقد القدرة  على التركيز والهدوء الذهني في المقابل.