إعادة تعريف التنظيم الذاتي والتحفيز المهني كعامل أساسي في بيئة العمل الحديثة

يبدو أن بيئة  العمل اليوم تعيش حالة  من التبدل السريع  وكأنها لا تهدأ أبدا  ومع هذا الإيقاع المتسارع بدأت المؤسسات تكتشف أن الطرق القديمة  في إدارة  الموظفين لم تعد تكفي كما كانت. لم يعد الاعتماد على الحوافز المادية  أو حتى الرقابة  الصارمة  هو الحل السحري لضمان الأداء الجيد  بل ظهرت عوامل أعمق وأكثر تأثيرا  مثل التنظيم الذاتي والتحفيز المهني  كعناصر حاسمة  في تحديد نجاح الأفراد داخل أي بيئة  عمل  سواء كانت شركة  كبيرة  أو مشروع ناشئ في بداياته.
هذه الأفكار  التي كانت في وقت قريب تناقش في الكتب والدراسات فقط  صارت اليوم جزءا من الواقع العملي  تطبّق يوميا داخل المؤسسات. الموظف لم يعد مجرد منفذ للمهام  بل شخص يطوّر نفسه  يندمج مع فريقه  ويحاول أن يترك بصمة  حقيقية  في تحقيق أهداف المكان الذي يعمل فيه  وهذا التغيير لم يأت من فراغ.
عندما نتحدث عن التحفيز المهني  فنحن لا نقصد مجرد رغبة  عابرة  في إنهاء العمل أو الحصول على مكافأة  آخر الشهر. الموضوع أعمق من ذلك بكثير. هو شعور داخلي يدفع الشخص ليبذل جهده  ليتفاعل مع ما يقوم به  ليشعر أن ما يفعله له معنى. الغريب أن الدراسات أظهرت أن الأشخاص الذين يجدون انسجاما بين عملهم وقيمهم الشخصية  يكونون أكثر التزاما  بل وأكثر إبداعا أيضا  مقارنة  بمن يعمل فقط من أجل الحافز الخارجي.
وهنا تلعب بيئة  العمل دور كبير  ربما أكبر مما نتخيل. التقدير البسيط  كلمة  شكر في وقتها  فرصة  للتطور  أو حتى إشراك الموظف في قرار معين كل هذه التفاصيل الصغيرة  تصنع فرقا واضحا. في المقابل  غياب هذه الأمور قد يؤدي إلى حالة  غريبة  نوعا ما  يسمونها  الانسحاب الهادئ   حيث يظل الموظف في مكانه لكنه يفقد حماسه تدريجيا  يعمل فقط بالحد الأدنى  بدون تفاعل حقيقي.
أما التنظيم الذاتي  فهو قصة  أخرى لا تقل أهمية . الفكرة  ببساطة  أن يكون الموظف قادرا على إدارة  نفسه بنفسه. ينظم وقته  يحدد أهدافه  يراقب تقدمه  ويعدل مساره إذا لزم الأمر. الموظف الذي يمتلك هذه المهارة  لا يحتاج إلى من يراقبه طوال الوقت  بل غالبا ما يبادر  يحل المشكلات  ويتحمل المسؤولية  بشكل طبيعي  وهذا ينعكس على الفريق كله.
الدراسات الحديثة  تتحدث كثيرا عن هذا الجانب  وتؤكد أن من يمارسون نوعا من  القيادة  الذاتية  مثل وضع أهداف شخصية  أو تحفيز أنفسهم  يكون ارتباطهم بعملهم أقوى  خصوصا في بيئات العمل الحديثة  التي تمزج بين الحضور للمكتب والعمل عن بعد. وهنا يظهر الفرق فعلا.
في النهاية  يبدو أن التحفيز المهني والتنظيم الذاتي لم يعودا مجرد أفكار نظرية  أو  كلام إداري  كما يظن البعض  بل أصبحا من الأساسيات التي تحدد نجاح أي مؤسسة  اليوم. عندما يشعر الموظف بالدافع الداخلي  ويملك القدرة  على إدارة  نفسه  عندها فقط يمكن أن نرى أداء حقيقيا  وبيئة  عمل فيها حياة   فيها إبداع  وفيها ارتباط صادق بين الإنسان والمكان الذي يعمل فيه.