في منتدى عالمي للمهارات تنطلق مناقشات حول التحولات الكبرى في الوظائف والمهارات المستقبلية

يبدو أن الاهتمام العالمي بمستقبل العمل لم يعد مجرد نقاش عابر في أروقة  الخبراء  بل تحول إلى موضوع حاضر بقوة في المنتديات الدولية  التي تتابع عن قرب التحولات المتسارعة  في سوق الوظائف. وفي هذا السياق انعقد مؤخرا منتدى عالمي للمهارات جمع ممثلين عن الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية  إلى جانب خبراء دوليين  في محاولة  لقراءة  ما ينتظر سوق العمل خلال السنوات المقبلة  وفهم طبيعة  التحولات التي قد تمس المهن والمهارات المطلوبة .
هذا المنتدى الذي يعقد بشكل سنوي أصبح أشبه بمحطة  يلتقي فيها صناع القرار مع المتخصصين لمناقشة  مستقبل المهارات وكيف يمكن تجهيز القوى العاملة  للتغيرات القادمة . وقد شهدت النسخة  الأخيرة  حضورا واسعا من دول متعددة   مع مشاركة  شركات كبرى وخبراء في مجالات التعليم والتدريب  حيث طرحت أفكار وحلول عملية  حول كيفية  التعامل مع سوق عمل لم يعد ثابتا كما كان في السابق. الفكرة  الأساسية  التي تكررت في النقاشات كانت واضحة  تقريبا: تحديث التعليم وبرامج التدريب لم يعد خيارا  بل ضرورة  حتى تواكب الاقتصادات ما يحدث حولها.
الواقع أن الأسواق المهنية  اليوم تمر بمرحلة  تغير ربما لم نشهد مثلها منذ عقود. فالتقدم التكنولوجي المتسارع  وخصوصا انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأتمتة  الكثير من العمليات  بدأ يعيد رسم ملامح وظائف عديدة  ويغير طريقة  إنجازها. وفي الوقت نفسه تظهر تحولات ديموغرافية  واضحة   فبعض الدول تشهد نموا سكانيا سريعا بينما تدخل أجيال شابة  جديدة  إلى سوق العمل بأفكار وتوقعات مختلفة  تماما. ولا يمكن تجاهل التحولات الاقتصادية  والبيئية  أيضا  مثل الاتجاه المتزايد نحو اقتصاد منخفض الكربون والتركيز المتنامي على قضايا الاستدامة   كل هذه العوامل مجتمعة  تدفع سوق العمل إلى مسار مختلف.
وتشير دراسات حديثة  ناقشها المشاركون إلى أن جزءا كبيرا من المهارات المطلوبة  حاليا قد يتغير خلال العقد القادم  وربما تختفي بعض الوظائف التقليدية  أو تتراجع أهميتها تدريجيا  في مقابل ارتفاع الطلب على مهارات جديدة  أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والتحليل والابتكار.
خلال جلسات المنتدى برزت عدة  محاور رئيسية  في النقاش. أولها كان دور القطاع الخاص في تطوير المهارات  إذ شدد المتحدثون على أن الشركات ليست مجرد جهة  توظيف بل شريك أساسي في بناء منظومة  المهارات. فهي الأقرب لمعرفة  ما يحتاجه السوق فعليا  وقادرة  على تصميم برامج تدريبية  حديثة  تتماشى مع التطورات المهنية . ولذلك فإن التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص قد يساعد كثيرا في تقليص الفجوة  التي نراها أحيانا بين ما يتعلمه الطلاب في المؤسسات التعليمية  وما يطلبه سوق العمل الحقيقي.
أما المحور الثاني فكان الذكاء الاصطناعي  الذي استحوذ على مساحة  كبيرة  من الحوار. فهذه التكنولوجيا لا تنظر إليها فقط كأداة  تقنية  بل كعامل سيعيد تشكيل بنية  الوظائف نفسها. فهي من جهة  تفتح أبوابا لفرص عمل جديدة  في مجالات مثل التحليلات المتقدمة  والأمن السيبراني والروبوتات  ومن جهة  أخرى تدفع كثيرا من المهن التقليدية  إلى التغير أو حتى الاختفاء اذا أمكن أتمتتها. ولهذا أكد الخبراء أن امتلاك المهارات الرقمية  والقدرة  على التحليل والتعامل مع البيانات سيصبح أمرا أساسيا لأي موظف تقريبا في المستقبل القريب.
ومع استمرار هذه التحولات يبقى السؤال مفتوحا: كيف ستتكيف القوى العاملة  حول العالم مع هذا الواقع الجديد؟ السنوات القادمة  وحدها ستحمل الإجابة .