خبراء اقتصاد يتوقعون تثبيت أو إحكام نطاق تقلبات الجنيه المصري مع بقاء الضغوط على العملات الأجنبية

الجنيه المصري بين الاستقرار الحذر والضغوط المستمرة

لا يزال الجنيه المصري في قلب النقاشات الاقتصادية، بوصفه أحد أبرز المؤشرات على صحة الاقتصاد الكلي وقدرته على التكيّف مع المتغيرات المحلية والدولية. فبعد سنوات من التقلبات الحادة والتراجعات المتسارعة في سعر الصرف، بدأت التوقعات تميل إلى سيناريو مختلف نسبيًا، يقوم على تهدئة وتيرة التذبذب بدلًا من الانزلاقات المفاجئة، مع الإقرار بأن الضغوط على سوق العملات الأجنبية لم تختفِ بعد.

هذا التحول في النظرة لا يعني بالضرورة عودة الجنيه إلى مستويات قوة سابقة، بقدر ما يعكس قناعة متزايدة لدى خبراء الاقتصاد بأن المرحلة المقبلة قد تتسم بإدارة أدق لسعر الصرف، ومحاولة حصر تحركاته ضمن نطاق أكثر انضباطًا.

من مرحلة الصدمات إلى إدارة التقلب

شهدت السنوات الماضية صدمات متتالية في سوق الصرف، ارتبطت بعوامل داخلية مثل اتساع فجوة الاستيراد وضعف تدفقات النقد الأجنبي، وأخرى خارجية أبرزها تشديد السياسات النقدية عالميًا وارتفاع تكلفة التمويل. وقد انعكست هذه العوامل في صورة تراجع حاد للجنيه وارتفاع مستويات التضخم، ما ألقى بظلاله على معيشة المواطنين والأنشطة الاقتصادية على حد سواء.

إلا أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة من حيث المقاربة. فبدل الاعتماد على تحركات مفاجئة في سعر الصرف، تتجه السياسات الاقتصادية – وفق تقديرات العديد من المحللين – إلى احتواء التذبذبات، والسماح بتحركات محسوبة تعكس توازن العرض والطلب دون إحداث صدمات عڼيفة في السوق.

توقعات باستقرار نسبي لا يخلو من الحذر

يرى خبراء اقتصاد أن الجنيه المصري قد يدخل مرحلة من الاستقرار النسبي خلال الفترة المقبلة، حيث تميل التوقعات إلى تثبيت السعر أو إحكام نطاق تحركه، بدلًا من موجات الصعود أو الهبوط الحاد. هذا السيناريو يستند إلى مجموعة من المعطيات، أبرزها تحسن نسبي في إدارة السيولة الأجنبية، إلى جانب وجود دعم خارجي يساعد في تخفيف الضغوط قصيرة الأجل.

ومع ذلك، فإن هذا الاستقرار المتوقع يوصف بالحذر، إذ لا تزال عوامل عدم اليقين قائمة، سواء على مستوى الاقتصاد العالمي أو على صعيد التحديات الهيكلية المحلية. بمعنى آخر، الاستقرار هنا لا يعني غياب المخاطر، بل يشير إلى قدرة أكبر على التحكم في مسار العملة.

سيناريوهات متعددة لسعر الصرف

لا تتفق التقديرات حول المسار الدقيق لسعر الدولار مقابل الجنيه خلال العامين المقبلين، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية: غياب الصدمات الكبيرة. فبعض التوقعات ترجّح أن يؤدي تحسن موارد النقد الأجنبي، مثل عائدات السياحة والتحويلات، إلى دعم الجنيه وتقليص الضغوط عليه، ما قد يدفع سعر الصرف إلى التحرك داخل نطاق أضيق وربما يميل إلى التحسن النسبي.

في المقابل، تحذر رؤى أخرى من أن استمرار العجز في بعض المؤشرات الاقتصادية قد يفرض ضغوطًا إضافية، ما يفتح المجال أمام تراجع تدريجي للجنيه، ولكن بوتيرة أبطأ وأكثر انتظامًا مقارنة بما حدث في السابق. وبين هذين الاتجاهين، يظل العامل المشترك هو توقع حركة منضبطة نسبيًا، بعيدة عن التقلبات الحادة.

وبين التفاؤل الحذر والواقعية الصارمة، يبقى مستقبل الجنيه مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على تعزيز موارده، وتحسين تنافسيته، ومواصلة إصلاحاته، في بيئة عالمية لا تزال مليئة بالمتغيرات.