شرطة الولايات المتحدة تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل الأدلة المرئية لتعزيز التحقيقات الجنائية

الذكاء الاصطناعي يدخل غرف التحقيق: كيف تعيد الشرطة الأميركية قراءة الأدلة المرئية؟

لم يعد شريط الفيديو مجرد وثيقة تُشاهَد من البداية إلى النهاية داخل غرف التحقيق الجنائي في الولايات المتحدة، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مادة رقمية تخضع للمعالجة والتحليل عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة. هذا التحول يعكس واقعًا جديدًا تعيشه أجهزة إنفاذ القانون، في ظل تضخم غير مسبوق في حجم الأدلة المرئية الناتجة عن كاميرات المراقبة العامة، وكاميرات أجسام عناصر الشرطة، وتسجيلات الهواتف المحمولة التي باتت عنصرًا أساسيًا في أغلب القضايا الجنائية.

الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأدلة لم يأتِ من فراغ، بل جاء استجابة لضغط عملي حقيقي تعانيه أقسام الشرطة والادعاء العام، حيث أصبحت مراجعة آلاف الساعات من الفيديوهات يدويًا عملية مرهقة وبطيئة، وقد تؤخر الوصول إلى نتائج حاسمة في قضايا حساسة تتعلق بالأمن العام والعدالة الجنائية.

من المشاهدة إلى التحليل الذكي

تقليديًا، كان المحققون يعتمدون على فرق بشړية لمشاهدة التسجيلات المرئية إطارًا تلو الآخر، في محاولة لاستخراج لحظة مفصلية أو تصرف غير طبيعي قد يقود إلى مشتبه به. اليوم، تغيّر هذا المشهد جذريًا. أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على فحص الفيديوهات خلال دقائق، وتصنيف محتواها، وتحديد المقاطع التي تتضمن أحداثًا معينة مثل اشتباكات، استخدام أسلحة، مطاردات، أو وجود أشخاص ومركبات ضمن نطاق زمني ومكاني محدد.

هذه الأدوات لا “تفكر” بدل المحقق، لكنها تعمل كمرشح ذكي يقلّص حجم المادة الخام، ويعيد ترتيبها بطريقة تسمح للمحقق بالتركيز على الجوهر بدل الڠرق في التفاصيل التقنية.

قراءة أعمق للصورة والصوت

التطور لا يقتصر على تحليل الصورة فقط. بعض الأنظمة المستخدمة حاليًا قادرة على دمج تحليل الصوت مع الفيديو، بما يشمل تفريغ الحوارات تلقائيًا، ورصد نبرة الأصوات، أو تحديد لحظات ارتفاع التوتر. في تسجيلات كاميرات الجسم، يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء تسلسل زمني يوضح متى بدأ الاحتكاك، ومتى صدرت أوامر، ومتى وقع استخدام القوة.

كما تُستخدم تقنيات التعرف البصري لاستخلاص تفاصيل دقيقة مثل ألوان الملابس، اتجاه الحركة، أو تكرار ظهور شخص معين عبر عدة كاميرات، وهو ما كان يتطلب سابقًا جهدًا بشريًا كبيرًا ووقتًا طويلًا.

بين الكفاءة والعدالة

في المحصلة، يعكس اعتماد الشرطة الأميركية على الذكاء الاصطناعي في تحليل الأدلة المرئية تحوّلًا عميقًا في فلسفة العمل الجنائي، حيث أصبحت السرعة والدقة مطلبين أساسيين في عصر البيانات الضخمة. لكن هذا التحول لا يخلو من تحديات تتطلب توازنًا دقيقًا بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الحقوق الفردية.