محللون يتوقّعون مزيدًا من الضغوط التضخمية على الجنيه المصري خلال الربع القادم

توقعات متزايدة لضغوط تضخمية على الجنيه في الربع المقبل: خلفيات وتحديات

بينما يبدو أن مصر تشهد مؤشرات تضخمية في تراجع مستمر، إلا أن تحذيرات بعض الخبراء تشير إلى أن العملة المحليّة قد تتعرض لضغوط إضافية في الأشهر القادمة، ما قد يعيد إشعال وتيرة الارتفاع في الأسعار. هذا التوقع ليس من قبيل التكهنات الخالصة، بل ينبع من تحليل واقعي للمتغيرات النقدية والاقتصادية العالمية والمحلية.

الواقع الحالي: تباطؤ التضخم مع مؤشرات متباينة

الأرقام الرسمية الأخيرة تُظهر أن التضخم السنوي في المدن قد هجّ إلى مستويات أدنى. فبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى أن مؤشر أسعار المستهلكين يسير في اتجاهٍ تنازلي بعد أن كان في ذروته عند نحو 38٪ في سبتمبر 2023. 

على سبيل المثال، في سبتمبر 2025، سجّل التضخم السنوي لأُسعار المستهلكين في الحضر نحو 11.7٪، مقارنة بحوالي 12٪ في أغسطس، ما يعكس تراجعًا لكن بوتيرة أبطأ مقارنة بتوقعات بعض المحللين. كما أن منتصف العام شهد تقديرات تُشير إلى أن التضخم السنوي قد يكون هبط إلى حوالي 16.2٪ في يونيو 2025، وفق استبيان لمجموعة من محلّلين. 

هذا المسار التنازلي في التضخم ساهم في منح البنك المركزي بعض الحيّز لخفض أسعار الفائدة. ففي أكتوبر 2025، قرّر المركزي خفض سعر الفائدة بواقع 100 نقطة أساس (1٪). 

مع ذلك، ليس كل ما يُشير إلى انخفاض التضخم يُروّض المخاطر المحتملة، خاصة إذا ما ترافقت مع هشاشة في عوامل خارجية أو سياسية أو تغيرات مفاجئة في حركة رأس المال أو أسعار السلع المستوردة.

لماذا يتوقّع البعض عودة الضغوط التضخمية؟

يعتمد المحللون الذين يُنبّهون إلى مخاطر تضخمية مقبلة على مجموعة من العوامل التي قد تُعيد تسريع نمط ارتفاع الأسعار إذا اجتمعت أو تحقّقت بشكل مفاجئ:

تذبذب سعر العملة والاعتماد على الاستيراد
ضعف محتمل في الجنيه مقابل الدولار قد يرفع تكلفة الواردات، لا سيما في قطاعات الغذاء والطاقة ومواد التصنيع. إذا فقدت توقعات السوق استقرار العملة، فستُترجم هذه المخاطر مباشرة إلى الأسعار المحليّة.

السياسات المالية والمصروفات المدعومة
رغم الإصلاحات التي بادرت بها الحكومة، يظل الإنفاق على الإعانات والدعم الاجتماعي جزءًا من الهيكل المالي، وقد يتسبب الضغط على التمويل أو الإفراط في التسهيل بخلق تضخّم إضافي.

تأثيرات السلع العالمية
ارتفاع أسعار الطاقة أو الغذاء عالمياً أو تعطل في سلاسل الإمداد يمكن أن يُفاقم كلف الاستيراد ويضغط على مؤشر أسعار المستهلكين بسرعة.

تيسير نقدي سريع مقابل كبح الطلب
استمرار خفض الفائدة بشكل متسارع من دون موازنات حذِرة قد يشجّع الاستهلاك والاقتراض، ما قد يدفع الأسعار صعودًا إذا لم يُصحب ذلك بضوابط أو توقعات واضحة لسعر الصرف.

رد فعل البنك المركزي: موازنة بين النمو والاستقرار

البنك المركزي المصري يتبنّى نهجًا متأنّيًا. رغم قرارات خفض الفائدة مؤخرًا، إلا أن الهيئة النقدية تؤكّد في بياناتها أن أي خطوة تُتخذ تراعي الاستقرار التضخّمي وتوقعاته. تأتي هذه المواقف في ظل تسارع نسبي للنمو الاقتصادي، حيث ارتفع النمو في الربع الثاني من 2025 إلى نحو 5٪ مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق. 

إزاء ذلك، سيكون أمام المركزي اختباراً دقيقًا: كيف يُوازن بين دعمه للنمو الاقتصادي وبين إبقاء الأسعار تحت السيطرة؟

خلاصة

رغم الاتجاه الهابط للتضخم في مصر خلال الأشهر الماضية، فإن المخاطر التي تحدث عنها بعض المحللين ليست خرافية بل معقولة. توقع أن الجنيه قد يتعرّض لضغوط تضخمية إضافية في الربع القادم يُعكس قلقًا من تحوّلات في سعر الصرف، أو سياسات نقدية وسليمة قد تُرشّحها حركة مفاجئة في الأسواق العالمية. لذلك، فإن الأمر ليس حتميًا، لكن من الحكمة أن تُبقي الجهات المعنية والمراقبون في حالة تأهّب.