تحدّي كذبت في سيرتي الذاتية يحصد ملايين المشاهدات ويغزو تيك توك كتريند ساخر

في عصر تتسارع فيه صياغة الذات الرقمية، برز على تيك توك تحدٍّ لافت تحت عنوان "كذبت في سيرتي الذاتية" (أو بالإنجليزية “lied on my resume”)، حيث بدأت الأوساط الشبابية تشارك مقاطع قصيرة يُكشف فيها عن المبالغات أو الأكاذيب التي أدرجوها في سيرهم الذاتية للحصول على فرص عمل أو لافتة الانتباه. هذا التحدي أصبح ظاهرة تثير الجدل، إذ تجاوز عدد مشاهداته ملايين، وانتشر بين مستخدمي المنصة كترند يحمل طابع السخرية والنقد في آن واحد.

من أين انطلق التحدي وكيف انتشر؟

انطلقت الفكرة من مقطع واحد نشره شاب، اعترف فيه بطريقة فكاهية أنه وصف مهارات أو خبرات في سيرته لم يكن يملكها فعليًا، ولاحقًا تم تحويل ذلك إلى تحدٍّ، حيث تفاعل آخرون بالقفز على الموجة وإنتاج مقاطع مماثلة. الحالة سرعان ما اجتاحت التيك توك، وامتدت إلى قطاعات مهنية متنوعة مثل تكنولوجيا المعلومات، المحاسبة، حتى الطب أو القانون، حيث يصنع المشاركون مواقف هزلية من الموقف المحتمل حين يُطلب منهم أداء مهمة لا يعرفونها.

في أحد الفيديوهات التي لاقت انتشارًا كبيرًا، تناول المستخدم فكرة أنه زعم إتقان لغة برمجة، ثم طُلب منه استخدام برنامج معين، فأجاب بتصرف هزلي أو عبثي، مما أثار الضحك والتعليقات بين الجمهور. منصة Microsoft نفسها علّقت على أحد هذه الفيديوهات قائلة: “هل جربت أن تشير بقوة أكبر؟” في إشارة ساخرة إلى مدى البُعد بين الكذب والواقع. 

الدوافع التي تحرك المشاركة في التحدي

يُنظر إلى هذا التحدي، إلى جانب كونه وسيلة ترفيه أو سخرية اجتماعية، باعتباره مرآة تعكس ضغوطًا حقيقية يعيشها الشباب اليوم في سوق العمل. في ظل منافسة شرسة، ونخبة تطلب خبرات عالية ومهارات متقدمة، يشعر البعض بأن المبالغة في السيرة الذاتية أصبحت وسيلة للبقاء ضمن المنافسة. 

مقابل ذلك، يتهم بعض المراقبين المنصات الرقمية بأنها تُشجّع على الانغماس في المظاهر الفارغة، أو تمجّد السرد القصصي على حساب الحقيقة المهنية. فبينما يحبّ البعض أن يظهر بمظهر “الخبير المتعدد المهارات”، يصطدم لاحقًا بواقعية المراقبة أو التحقق.

التأثيرات المحتملة: بين الفكاهة والتحذير

رغم أن الغالبية من المشاركين يتعاملون مع التحدي بروح دعابة، إلا أن له تبعات جدية يمكن أن تنعكس على ثقافة التوظيف والمصداقية الفردية. إن انتشار مثل هذه الظواهر قد يُغذي تساهلًا في التعامل مع الحقيقة المهنية، وقد يُضعف الثقة بين صاحب العمل والمترشح، خاصة إن تكشفت المبالغات لاحقًا.

كما أن هذا التحدي يُقدّم نقدًا ضمنيًا إلى المنظومات التي تضلل الشباب لتقديم أنفسهم كـ"نماذج شبه مثالية"، وكأن السوق لا يقبل سوى من يمتلك سجلًا خياليًا. في هذا السياق، يطرح التحدي سؤالًا كبيرًا عن المعايير التي تُقَيَّم بها الكفاءات المهنية، وهل باتت المظاهر المتفوّقة تُقدَّم على حساب الخبرة الحقيقية؟

خلاصة

تحدي "كذبت في سيرتي الذاتية" لم يكن مجرّد موجة عابرة على تيك توك، بل تعبير مجتمعي عن صراع بين الحقيقة والمظهر في فضاء رقمي يسعى فيه كثيرون للظهور بأبهى صورة. هو مزيج من السخرية والتمرد على توقعات المجتمع الرقمي، لكنه أيضًا دعوة لإعادة النظر في كيفية تقييمنا للخبرات، ومكانة الصدق في عالم العمل.