خبراء يتوقعون مزيدًا من التذبذبات للجنيه المصري مع سياسات الإصلاح وضغوط التضخم

الجنيه المصري أمام اختبار جديد: إصلاحات طموحة تصطدم بتقلبات الأسواق وضغوط التضخم

يبدو أن الجنيه المصري مقبل على مرحلة شديدة الحساسية، تتسم بمزيد من التذبذبات في سعر الصرف رغم الجهود الحكومية المكثفة لتحقيق استقرار اقتصادي شامل. فبين مساعي الإصلاحات الهيكلية والتحديات التضخمية المستمرة، يرى خبراء الاقتصاد أن العملة المصرية ما زالت تتحرك في مساحة غير مستقرة، وأن طريق التعافي الكامل لن يكون سهلاً أو سريعًا.

تحولات كبيرة في السياسة النقدية

خلال العام الجاري، تبنّت الحكومة المصرية بالتعاون مع البنك المركزي حزمة من السياسات الإصلاحية التي تهدف إلى استعادة الثقة في الاقتصاد، أبرزها التحول إلى نظام أكثر مرونة في سعر الصرف، وتشجيع التدفقات الاستثمارية الأجنبية، وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي للدولار. هذه الإجراءات، وإن كانت ضرورية لإعادة التوازن النقدي، إلا أنها بطبيعتها تفتح الباب لتقلبات قصيرة المدى في قيمة الجنيه.

ويشير محللون ماليون إلى أن سياسة "المرونة المدارة" التي يعتمدها البنك المركزي حاليًا، أي السماح بحركة الجنيه ضمن نطاق محدد مع تدخل محدود عند الضرورة، ساهمت في امتصاص بعض الصدمات الخارجية، لكنها جعلت السوق أكثر حساسية لتغيرات المعروض الدولاري والأخبار الاقتصادية المفاجئة.

ضغوط التضخم ما زالت قائمة

رغم الانخفاض النسبي في معدلات التضخم مقارنة بذروتها السابقة، فإنها لا تزال عند مستويات مرتفعة تفوق 25% على أساس سنوي، ما يعكس استمرار الضغوط على الأسعار، خصوصًا في السلع الغذائية والطاقة والنقل.
ويُجمع الخبراء على أن التضخم هو العامل الأكثر تأثيرًا على أداء الجنيه، إذ يقلل من القوة الشرائية ويؤثر على ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.

وفي الوقت ذاته، تحاول السلطات المصرية الموازنة بين كبح التضخم وتحفيز النمو الاقتصادي عبر تخفيف أسعار الفائدة تدريجيًا، وهو ما يثير مخاۏف بعض الخبراء من أن التيسير النقدي المبكر قد يؤدي إلى عودة الضغوط السعرية إذا لم يترافق مع زيادة في الإنتاج المحلي.

الإصلاحات الاقتصادية… بين النجاح والمخاطر

لا يمكن إنكار أن الاقتصاد المصري حقق خطوات ملموسة في مسار الإصلاح. فقد ارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى مستويات مستقرة، وتحسن ميزان المدفوعات بدعم من قطاع السياحة والتحويلات الخارجية، إضافة إلى استعادة جزء من ثقة المستثمرين الدوليين بعد توقيع اتفاقيات تمويل جديدة مع صندوق النقد الدولي وشركاء إقليميين.

لكن هذه النجاحات لم تُترجم بعد إلى استقرار واضح في سعر الصرف، لأن الاقتصاد لا يزال يعتمد على مصادر خارجية للعملة الصعبة، مما يجعله عرضة لأي تغيّر في مزاج الأسواق العالمية أو تدفق رؤوس الأموال.
ويؤكد محللون أن الإصلاحات الأخيرة، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مرحلة "التحصين الذاتي"؛ أي أن السوق ما زال هشًّا أمام الصدمات الخارجية مثل ارتفاع أسعار النفط أو تقلبات أسعار الفائدة العالمية.

الخلاصة

يمكن القول إن الجنيه المصري يقف اليوم على مفترق طرق: بين نتائج إصلاحات واعدة بدأت تؤتي ثمارها، وضغوط تضخمية وأسواق متقلبة تفرض تحديات صعبة.
المعركة الحقيقية لا تدور فقط في سوق الصرف، بل في عمق الاقتصاد ذاته في الإنتاج، والاستثمار، والتشغيل، والثقة العامة.