الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولًا في ريادة الأعمال ويُعيد تشكيل نماذج الأعمال التقليدية

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة ريادة الأعمال: كيف تتشكل نماذج الأعمال في عصر جديد؟

في العقد الأخير، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه فكرة مستقبلية إلى أن يصبح ركيزة أساسية في بنية الأعمال، لا سيما لدى رواد الأعمال والشركات الساعية للابتكار المستدام. اليوم، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه خيار إضافي بل ضرورة استراتيجية لإعادة صياغة خلق القيمة وتحويل الطريقة التي تعمل بها المؤسسات.

من التجربة إلى الدمج المؤسسي

تشير بيانات من «برنامج الذكاء الاصطناعي العالمي» التابع لماكينزي إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل. ومع ذلك، فإن القليل منها فقط استطاع أن يحوّل هذه الاستخدامات إلى نتائج مالية ملموسة. 

هذا ما يسمى في الأوساط بالـ “مفارقة الذكاء التوليدي”: انتشار واسع في الاستخدام، مقابل أثر محدود على صافي الأرباح.

الفرق بين المؤسسات التي تكتفي بتجربة الأداة وتلك التي تعيد صياغة سير العمل ليكون الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ هو أساس التميّز. حيث إن الشركات الناجحة لا تكتفي بدمج وحدات خارجيّة، بل تعيد تصميم العمليات، وتُحدِث تغييرات هيكلية في الأدوار والحوكمة لتجعل الذكاء الاصطناعي محركًا استراتيجيًا. 

كيف تغيير الشركات الناشئة مفاهيم القيمة؟

رواد الأعمال المعروفون بـ “AI-native” يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الجذور: من التنبؤ بالسلوك، إلى التخصيص اللحظي للمنتجات، وحتى التشغيل الآلي للتسويق أو إدارة الدعم الفني. في هذه النماذج، التّكلفة لا تزيد تناسبياً مع المستخدمين؛ فالنسخة الرقمية من الخدمة يمكن تقديمها للآلاف بكلفة هامشية.

مثلاً، بعض المنصات تعتمد “الوكلاء (Agents)” الذكية لأداء مهام متسلسلة بشكل شبه مستقل، ما يقلص الحاجة إلى فرق كبيرة تدخل في كل تفاصيل التنفيذ. 

كما تغيّر آليات التسعير: بدلاً من المحاسبة وفق الزمن أو الجهد البشري، باتت النماذج تعتمد على اشتراكات، أو تسعيرًا حسب القيمة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للعميل. 

الشركات الصغيرة والمتوسطة: سباق بين التبني والبنية التحتية

في أوروبّا، يُظهر تقرير بحثي حديث أن نحو 46% من الشركات الصغيرة والمتوسطة تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي يوميًا، ولكن معظمها لا يمتلك أدوات أساسية كالمحاسبة الرقمية أو إدارة المستندات الرقمية. هذا التباين يطرح خطړ أن تُصبح المؤسسات أداةً ذكية دون أساس رقمي متين يدعم النمو المستدام.

من جهة أخرى، شركة EY (إرنست ويونغ) أفادت مؤخرًا بأن معظم الشركات الكبرى التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي تكبّدت خسائر أولية تتعلق بأخطاء التنفيذ أو التحيّز في النماذج أو مشكلات الامتثال.

هذه المعطيات ترسم واقعا مزدوجًا: فرص هائلة باتت في متناول الشركات الصغيرة، لكن تنفيذها بدون بنية تحتية قوية أو استراتيجية واضحة قد يكون مكلفًا.

توصيات عملية لرواد الأعمال وصانعي السياسات

ابدأ بتدعيم البنية الرقمية الأساسية (بيانات، المحاسبة الرقمية، أمن المعلومات) قبل الانتقال إلى نماذج ذكاء اصطناعي معقدة.

ركّز على حالات استخدام تكون قادرة على تحقيق تأثير واضح على الإيرادات أو خفض التكاليف بدقّة.

أنشئ سياسات صريحة للحوكمة والامتثال قبل إطلاق النماذج في الإنتاج.

استثمر في تنمية المهارات الداخلية، أو تعاقد مع خبراء يملكون فهمًا عميقًا لدمج الذكاء الاصطناعي في الأعمال.

تابع التشريعات الوطنية والدولية في مجال الذكاء الاصطناعي لضمان التزام المشاريع وضمان الاستدامة.