أبوظبي تُكمل صفقة ضخمة لشراء كوفسترو بمبلغ 17 مليار دولار لتعزيز محفظتها الصناعية في أوروبا

أبوظبي تُنجز صفقة ضخمة بقيمة 17 مليار دولار للاستحواذ على "كوفسترو" الألمانية: تحوّل استراتيجي في الاستثمار الصناعي العالمي

في خطوة اعتُبرت من أبرز التحركات الاستثمارية العربية في أوروبا خلال العقد الأخير، أكملت جهات استثمارية تابعة لحكومة أبوظبي صفقة استحواذ كبرى على شركة كوفسترو الألمانية المتخصصة في تصنيع المواد الكيماوية والبلاستيكية المتقدمة، بقيمة تقارب 17 مليار دولار أمريكي. هذه العملية، التي استغرقت شهوراً من المفاوضات الدقيقة والمراجعات التنظيمية، تمثل تحوّلًا بارزًا في مسار توسّع الاستثمارات الخليجية في الصناعات الثقيلة عالية التقنية داخل القارة الأوروبية.

شركة كوفسترو: عملاق صناعي في قلب أوروبا

تُعد كوفسترو واحدة من أكبر الشركات العالمية المنتجة للبوليمرات والمواد المتقدمة المستخدمة في مجالات السيارات والبناء والإلكترونيات والطاقة المتجددة. تأسست الشركة في ألمانيا كفرع من مجموعة "باير" العملاقة، ثم انفصلت عنها قبل سنوات لتصبح كيانًا مستقلاً مدرجًا في البورصة.
توظف كوفسترو آلاف العاملين في أكثر من 30 دولة، وتمتلك شبكة مصانع متطورة تُعتبر من الركائز الأساسية للصناعات الأوروبية، لاسيما في مجالات تصنيع السيارات الكهربائية والمواد خفيفة الوزن التي تُستخدم في الحد من الانبعاثات وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.

أهداف أبوظبي: من النفط إلى الصناعات المتقدمة

تحرّك أبوظبي نحو الاستحواذ على كوفسترو يعكس بوضوح التحول الاستراتيجي الذي تتبناه دولة الإمارات في السنوات الأخيرة نحو تنويع الاقتصاد وتوسيع قاعدة الاستثمارات خارج قطاع الطاقة التقليدي.
ففي وقت تسعى فيه الاقتصادات الخليجية إلى تخفيف الاعتماد على عائدات النفط، تبرز الاستثمارات الصناعية والتقنية كأحد أهم المسارات المستقبلية. قطاع الكيماويات والمواد المتقدمة، الذي تتخصص فيه كوفسترو، يُعتبر ركيزة رئيسية في الاقتصاد الصناعي الجديد، حيث يُسهم في إنتاج المواد المستخدمة في السيارات الكهربائية، والمباني المستدامة، والتقنيات النظيفة.

من هذا المنطلق، تأتي الصفقة كجزء من رؤية طويلة المدى تهدف إلى جعل أبوظبي مركزًا عالميًا للابتكار الصناعي، وإحدى القوى المؤثرة في سلاسل الإمداد الأوروبية والعالمية في مجال المواد المتقدمة.

صفقة استثمارية أم شراكة استراتيجية؟

على الرغم من أنها تُصنّف قانونيًا كصفقة استحواذ، يرى العديد من المحللين أن العملية تمثل في جوهرها شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين أوروبا وأبوظبي.
فالشركات الأوروبية، وخاصة في قطاع الصناعة التحويلية، تواجه تحديات مالية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع معدلات النمو، بينما تمتلك صناديق الثروة السيادية الخليجية سيولة ضخمة تبحث عن استثمارات مستقرة ومستدامة.

في هذا السياق، تُتيح هذه الصفقة نموذجًا جديدًا للتكامل الاقتصادي بين الجانبين: رأس المال الخليجي الذي يضخ التمويل والخبرة الاستثمارية، والتكنولوجيا الأوروبية التي تقدم الابتكار والمعرفة الصناعية.

انعكاسات الصفقة على الأسواق الأوروبية

إتمام الصفقة من المتوقع أن يعيد رسم خريطة ملكية الصناعات الكيماوية في أوروبا، إذ تشير التقديرات إلى أن السيطرة على كوفسترو ستمنح أبوظبي موطئ قدم استراتيجي في أحد أكثر القطاعات حساسية وأهمية للاقتصاد الأوروبي.
ويرى خبراء أن الصفقة ستفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات الخليجية في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين والمواد المتقدمة داخل القارة، خاصة في ظل سعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز الشراكات مع الدول المنتجة للطاقة النظيفة.

خلاصة

من جهة أخرى، يتوقع أن تمنح هذه الخطوة الشركة الألمانية استقرارًا ماليًا أكبر في مواجهة تقلبات السوق العالمية، خصوصًا بعد فترة من التراجع في الأرباح نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ الطلب الصناعي. التمويل الإماراتي قد يوفّر لكوفسترو القدرة على توسيع نشاطها البحثي، وإطلاق مشاريع تطوير جديدة في أوروبا وآسيا، وربما التوسع لاحقًا في منطقة الشرق الأوسط.