خبراء يتوقعون بقاء الجنيه المصري تحت الضغوط الدبلوماسيّة والاقتصاديّة

الجنيه المصري: رهينة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية

منذ السماح له بالتحرك بصورة أكثر مرونة في مارس 2024، يواجه الجنيه المصري تحديات مركّبة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية الداخلية والتأثيرات الخارجية على العلاقات الدولية. وفيما يرى محللون أن العملة ستبقى تحت ضغط متواصل، فإن المسار المستقبلي يعتمد إلى حد كبير على موازنة دقيقة بين الإصلاحات الجريئة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

العوامل الاقتصادية: الاحتياطي، العجز والتضخم

تُعتبر الضغوط الاقتصادية أكثر العناصر تأثيرًا في مسار الجنيه. فعلى الرغم من أن الحكومة والبنك المركزي عمدوا إلى خفض تدريجي في أسعار الفائدة مع تراجع معدلات التضخم (فقد سجّلت التضخم السنوي نحو 13.9٪ في أبريل الماضي) فإن الفجوة بين ما تحتاجه البلاد من عملات صعبة وما يمكن توفيره من تدفقات أجنبية تظل واسعة.

مؤشرات الاستقرار الآني ليست مريحة بالكامل: إحدى استطلاعات آرَاء المحللين التي أُجريت مؤخرًا توقّعت أن الجنيه قد يضعف ليصل إلى نحو 52 جنيهًا مقابل الدولار بحلول منتصف 2025، وقد يواصل الانخفاض إلى نحو 54.75 بحلول منتصف 2026 إذا لم تتحسّن العوامل المساندة. 

هذه التوقعات تعكس حالة هشاشة في المعادلة الاقتصادية، إذ أن نقص احتياطيات النقد الأجنبي أو توقف تدفقات الاستثمارات الخارجية أو اضطرابات مفاجئة في أسواق الطاقة يمكن أن تضغط بقوة على قيمة العملة.

البعد الدبلوماسي: التمويل الخارجي والشروط السياسية

تغدو المعادلة أخطر عندما تدخل البُعد الدبلوماسي على خط المعادلة. فمصر تعتمد بشكل كبير على المساعدات والقروض والودائع المملوكة لدول خليجية أو مؤسسات مالية دولية، وأي تغيير في الموقف الدولي أو الإقليمي قد يُترجم بسرعة إلى تقلّص في الدعم، ما يترك الجنيه عرضة للضعف.

في هذا السياق، تتداخل ملفات مثل غزة والعلاقات مع القوى الإقليمية والدول الكبرى مع ملفات التمويل. إذ يرى مراقبون أن أي مسار تصاعدي في التوترات قد يؤثر على شروط المانحين أو توقيت صرف الدعم.

كما أن موقف الحكومة المصرية نفسه يُظهر الحذر في الموازنة بين اتخاذ مواقف دبلوماسية قوية وبين الحاجة الملحة إلى استدامة التدفقات المالية. أي تذبذب في العلاقة مع شركاء التمويل قد يزيد من الترقّب في الأسواق بشأن قدرة مصر على الالتزام ببرامج الإصلاح المتفق عليها.

ما بين التشاؤل والحذر: تصورات الخبراء

المحللون الماليون غالبًا ما يعرضون سيناريوهين محتملين:

السيناريو الحذر (الأساس): يستمر الجنيه في مواجهة ضغوط معتدلة، وقد ينخفض تدريجيًا إذا لم تُوفّر تدفقات أجنبية كافية أو إذا توقفت عجلة الإصلاح.

السيناريو المتفائل: في حال تحسّن مؤشرات الاحتياطي، أو ارتفاع في الاستثمارات، أو ضخ دعم خارجي كبير، قد يشهد الجنيه استقرارًا نسبيًا أو حتى تحسّنًا بسيطًا.

وتشير تحليلات صادرة عن وحدة الأبحاث لدى مؤسسة «BMI»، على سبيل المثال، إلى أن الضغوط على الجنيه قد تظل كبيرة على المدى القصير، لكن الأفق منتصف إلى نهاية عام 2025 يحمل إمكانية لتخفيف حدتها، إذا ما توفّرت عوامل داعمة. 

الخلاصة: مسار الجنيه بين التوازن والمخاطر

معظم الخبراء يتفقون على أن الجنيه سيبقى تحت ضغط في المدى المتوسط، وأن أي تحسّن في الوضع يعتمد إلى حد كبير على عناصر خارجية: تحسن في الوضع السياسي الإقليمي، ثقة المستثمرين الأجانب، واستمرار الدعم المالي الخارجي. في الوقت نفسه، قدرة الحكومة على موازنة أدواتها المالية والنقدية بشكل متوازن ومدروس ستكون مفتاحَ قدرة الجنيه على الصمود أو استعادة بعض قوته.