مفوضو الاتحاد الأوروبي يتبنون مسودة إجراءات تقنين للتكنولوجيا الُمساعِدة على اتخاذ القرار

الاتحاد الأوروبي يتحرك لتقنين أدوات القرار الذكية: نحو كبح هيمنة المنصات الكبرى

مدخل عام

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية، بل تحوّل إلى واقع حاضر يشكّل أداة رئيسية في القرارات الاقتصادية والإدارية وحتى الأمنية. هذا الواقع دفع الاتحاد الأوروبي إلى الإسراع في وضع قواعد تنفيذية مكمّلة لقانون الذكاء الاصطناعي، بهدف ضبط استخدام الأنظمة التي تساعد على اتخاذ القرار، والتأكد من أن هذه التكنولوجيا لن تقع تحت احتكار منصات رقمية كبرى تملك القدرة على فرض شروطها على الأسواق والأفراد.

من التشريع إلى الإرشادات

في العام 2024، صادق الاتحاد الأوروبي على "قانون الذكاء الاصطناعي" (AI Act)، وهو أول إطار تشريعي واسع من نوعه على مستوى العالم. غير أن تطبيق القانون عمليًا يتطلب إصدار توجيهات تفصيلية توضح ما هو مسموح وما هو محظور، وكيف يمكن مراقبة الامتثال. ومن هنا، أطلقت المفوضية الأوروبية في مطلع فبراير 2025 حزمة مسودات إرشادية توضّح أنواع الممارسات غير المقبولة، وتضع قواعد دقيقة للأنظمة عالية المخاطر، وعلى رأسها الأنظمة المساعدة على اتخاذ القرار.

هذه المسودات، رغم أنها غير ملزمة قانونيًا بحد ذاتها، تمثّل مرجعًا للسلطات الوطنية والشركات المطوِّرة، وتشكل خطوة عملية لتفعيل القانون على أرض الواقع.

جوهر المسودات الجديدة

المفوضية ركزت في وثائقها الأخيرة على عدة محاور:

تحديد الممارسات المحظورة: مثل الاستخدامات التي تمس الحقوق الأساسية بشكل مباشر، كالمراقبة الشاملة أو أنظمة "التصنيف الاجتماعي".

تعزيز الشفافية: مطالبة الشركات بكشف طريقة عمل أنظمتها، ومصادر البيانات، ومستوى الدقة وحدود الاستخدام.

إلزامية الرقابة البشرية: لا يجوز الاعتماد الكلي على الخوارزميات في قرارات مصيرية، بل يجب أن يظل الإنسان طرفًا فاعلًا في المراجعة والتقييم.

منع الاحتكار والهيمنة: عبر تشجيع معايير التشغيل البيني وتبادل البيانات بشكل منظم، بحيث لا تنفرد شركة كبرى بفرض نموذج واحد على السوق.

لماذا التركيز على أنظمة المساعدة في اتخاذ القرار؟

هذه الأنظمة باتت جزءًا من حياة المواطنين اليومية: من التوظيف والائتمان، مرورًا بالتأمين والرعاية الصحية، وصولًا إلى الأمن والعدالة. خطۏرة الأمر تكمن في أن خطأ أو تحيّزًا في هذه الأنظمة قد يؤدي إلى حرمان شخص من فرصة عمل أو قرض، أو تعريضه لتمييز غير عادل. وإذا احتكرت شركات قليلة هذه الأدوات، فإن الأفراد والمؤسسات لن يجدوا بدائل، ما يجعلهم رهائن لخوارزميات مغلقة وغير شفافة.

العلاقة مع قوانين المنافسة الرقمية

الخطوة الأوروبية لا تقتصر على بُعد "الأخطار التقنية"، بل ترتبط أيضًا بمسألة السيطرة السوقية. فالقوانين الأوروبية الخاصة بالأسواق الرقمية (مثل قانون DMA) تعتبر شركات التكنولوجيا الكبرى "حارسات بوابة" تتحكم بالوصول إلى الخدمات الأساسية. إدماج الذكاء الاصطناعي في منتجات هذه الشركات قد يرسّخ هيمنتها بشكل أوسع، وهو ما تحاول بروكسل تجنبه من خلال ربط لوائح الذكاء الاصطناعي بأدوات مكافحة الاحتكار وضمان المنافسة العادلة.

خلاصة

الخطوة الأخيرة للمفوضية الأوروبية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا أنظمة دعم القرار، لم يعد مجرد أداة تقنية بل أصبح قضية سياسية واقتصادية واجتماعية بامتياز. الاتحاد الأوروبي يسعى من خلال هذه المسودات إلى خلق توازن بين حماية الحقوق الفردية ومنع الاحتكار من جهة، وتشجيع الابتكار والقدرة التنافسية من جهة أخرى. نجاح هذا المسار سيعتمد على دقة التنفيذ، وقدرة بروكسل على الموازنة بين الصرامة القانونية والمرونة العملية.