خبراء اقتصاديون يتنبؤون بمزيد من الضغوط على الجنيه المصري مع ارتفاع الفائدة عالميًا وتراجع التدفقات الدولارية للأغراض غير النفطية

الجنيه المصري تحت مجهر الضغوط العالمية وتراجع التدفقات الدولارية غير النفطية

يتفق عدد من الخبراء الاقتصاديين أن مسار الجنيه المصري في الفترة المقبلة مرهون إلى حدٍّ كبير بالتطورات العالمية، خصوصًا مع استمرار البنوك المركزية الكبرى في رفع أسعار الفائدة للحفاظ على استقرار أسواقها، الأمر الذي يزيد من جاذبية الدولار أمام عملات الأسواق الناشئة. هذا التوجّه، إلى جانب ضعف بعض التدفقات الدولارية القادمة من مصادر غير نفطية مثل السياحة والتحويلات والصادرات، يعزز احتمالات تعرض العملة المحلية لضغوط إضافية خلال الأشهر القادمة.

مؤشرات محلية إيجابية... لكنها غير كافية

على الصعيد الداخلي، سجّلت مصر بعض التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ فقد ارتفعت الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي في الربع الثاني من العام الجاري، كما تراجع معدل التضخم الأساسي بعد موجات متتالية من الارتفاع. هذه التطورات سمحت للجنة السياسة النقدية بتبني خطوات أكثر حذرًا في إدارة أسعار الفائدة.
لكن، وفقًا للمحللين، فإن هذه المكاسب ما تزال هشة، إذ يمكن لأي صدمة خارجية سواء نتيجة تغير مفاجئ في السياسة النقدية الأمريكية أو تباطؤ تدفقات العملات الأجنبية أن تمحو جانبًا من الاستقرار المكتسب.

تأثير الفائدة العالمية على عملات الأسواق الناشئة

يعتمد الكثير من المستثمرين الدوليين على مقارنة العائد والمخاطرة بين الأسواق. ومع كل زيادة في أسعار الفائدة الأمريكية أو الأوروبية، تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جذبًا، ما يدفع رؤوس الأموال قصيرة الأجل إلى مغادرة الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أكثر أمانًا. هذا السيناريو يتكرر تاريخيًا في الاقتصادات المشابهة لمصر، حيث يؤدي تراجع التدفقات الاستثمارية الساخنة إلى ضغوط على سعر الصرف، خصوصًا إذا لم تُعوَّض عبر مصادر أخرى أكثر استدامة مثل الاستثمار الأجنبي المباشر أو الصادرات.

التدفقات غير النفطية: نقطة ضعف أساسية

تعتمد مصر على عدة موارد أساسية لتأمين العملة الصعبة، أبرزها السياحة، قناة السويس، تحويلات المصريين العاملين في الخارج، إضافة إلى الصادرات الصناعية والزراعية. ورغم أن بعض هذه المصادر شهد نموًا متقطعًا، إلا أنها ما تزال عرضة للتقلبات الدولية:

السياحة تتأثر بحدة بالأوضاع الجيوسياسية والركود العالمي.

حركة التجارة في قناة السويس مرتبطة بتوترات البحر الأحمر وتباطؤ الطلب العالمي.

التحويلات مرهونة بظروف اقتصادات الخليج وأوروبا، حيث يعمل ملايين المصريين.

هذا الاعتماد على مصادر قابلة للتأثر بالظروف الخارجية يجعل استقرار الجنيه هشًا إذا تزامنت عوامل سلبية عالمية مع تراجع محلي في تدفق هذه الموارد.

ثلاثة سيناريوهات متوقعة

السيناريو الإيجابي: استمرار تحسّن الاحتياطيات، زيادة ملحوظة في عائدات السياحة والتحويلات، إلى جانب إجراءات إصلاحية تعزز ثقة المستثمرين. هذا قد يمنح الجنيه مساحة من الاستقرار النسبي.

السيناريو الوسطي: بقاء الوضع في حالة من التوازن الدقيق، حيث تتدخل السلطات من حين لآخر عبر أدوات السياسة النقدية لتقليل التقلبات.

السيناريو السلبي: ارتفاع مفاجئ في عوائد الدولار أو تراجع حاد في التدفقات غير النفطية، ما قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في قيمة الجنيه، وربما عودة التضخم للارتفاع بصورة تؤثر على مستوى المعيشة.

الخلاصة

الجنيه المصري يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: من جهة هناك مكاسب نسبية في الاحتياطيات وتراجع للتضخم، ومن جهة أخرى تلوح في الأفق مخاطر عالمية ومحلية قد تزعزع هذا الاستقرار. قدرة مصر على تجاوز المرحلة المقبلة ستعتمد على مدى فعالية الإصلاحات الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل الدولاري، والجاهزية لمواجهة أي تقلبات في النظام المالي العالمي.