الصين تنتقد البيت الأبيض بعد أنضمامه إلى TikTok رغم التحديات الأمنية المرفقة

الصين تنتقد انضمام البيت الأبيض إلى تيك توك: ازدواجية معايير بين الأمن القومي والسياسة الاتصالية

في خطوة مٹيرة للجدل، أعلن البيت الأبيض يوم 19 أغسطس/آب 2025 عن إطلاق حساب رسمي على منصة تيك توك تحت اسم @whitehouse، مرفقًا بفيديو قصير يتضمن عبارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «أنا صوتكم». هذا التطور لم يكن مجرد خطوة اتصالية عادية، بل تحوّل سريعًا إلى مادة نقاش عالمي، لأنه يعكس مفارقة واضحة بين خطاب واشنطن المتشدد تجاه المنصة الصينية وبين استخدامها كقناة للتواصل المباشر مع المواطنين، ولا سيما فئة الشباب.

على مدى سنوات، صُنّف تيك توك في الخطاب الأمريكي باعتباره «تهديدًا للأمن القومي» بسبب ملكيته لشركة «بايت دانس» الصينية، حتى أن الكونغرس أقرّ العام الماضي قانونًا يلزم ببيع أصوله الأمريكية أو مواجهة الحظر الكامل. ومع ذلك، جاء القرار الأخير للبيت الأبيض ليؤكد أن السياسة والاتصال الجماهيري قد يطغيان أحيانًا على حسابات الأمن، وهو ما دفع الصين إلى الرد بانتقاد حاد، معتبرة أن واشنطن تكشف من خلال هذه الخطوة عن ازدواجية معايير صاړخة.

البيت الأبيض بين الأمن والاتصال

لطالما واجهت الإدارات الأمريكية معضلة مزدوجة: من جهة، هناك إصرار أمني وتشريعي على الحد من المخاطر المرتبطة بتطبيق تيك توك، ومن جهة أخرى، هناك حاجة سياسية وإعلامية للتواصل مع جمهور واسع يتجاوز 170 مليون مستخدم في الولايات المتحدة وحدها.

انضمام البيت الأبيض رسميًا إلى المنصة يُظهر أن الإدارة لا تستطيع تجاهل هذا الجمهور، خصوصًا أن تيك توك أصبح وسيلة أساسية للخطاب السياسي خلال الحملات الانتخابية السابقة. بل إن بعض المرشحين لجؤوا إليه لحشد الشباب وتشكيل حالة من الزخم الجماهيري، ما يجعل من الصعب على البيت الأبيض أن يبقى خارج هذه الساحة الرقمية المؤثرة.

خلفية قانونية وسياسية متشابكة

قانون «البيع أو الحظر» الذي أُقرّ في 2024 ألزم «بايت دانس» بالتخلص من أصولها الأمريكية ضمن جدول زمني محدد. غير أن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب مددت هذه المهلة أكثر من مرة، ما أثار انتقادات داخلية واسعة من نواب ومشرعين رأوا في الأمر نوعًا من التساهل.

في المقابل، بررت الإدارة تأجيل الحسم بالحاجة إلى إيجاد حلول عملية لا تضر المستخدمين ولا الشركات الصغيرة التي تعتمد على تيك توك في التسويق، فضلًا عن رغبتها في الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع فئة الشباب.

لكن هذا الموقف المتذبذب جعل الخطاب الأمريكي يبدو متناقضًا: فمن جهة تُعلن واشنطن أن التطبيق يمثل «تهديدًا للأمن القومي»، ومن جهة أخرى تستخدمه كمنصة رسمية للاتصال مع المواطنين.

سردية الصين: الأمن مجرد أداة سياسية

بالنسبة للصين، فإن ما حدث يمثل دليلًا إضافيًا على أن الولايات المتحدة لا تتحرك بدوافع أمنية بحتة، بل وفق حسابات سياسية واقتصادية. فقد دأبت بكين على التأكيد أن «الأمن القومي» أصبح شعارًا تستخدمه واشنطن لتبرير إجراءات حمائية ضد الشركات الصينية الرائدة، بدءًا من هواوي مرورًا بشركات الاتصالات والمعدات، وصولًا إلى تيك توك.

كما تحرص بكين على التأكيد أن الخوارزميات التي تُعدّ «رأس المال الفكري» للتطبيق لن تُباع ولن تُنقل لأي جهة أجنبية، في محاولة لحماية مواردها التكنولوجية الاستراتيجية. وهذا التشدد يمنحها ورقة تفاوضية قوية في مواجهة الضغوط الأمريكية.

المعضلة الأمريكية: ثلاث أولويات متناقضة

السياسة الأمريكية تجاه تيك توك تتوزع بين ثلاثة اعتبارات رئيسية:

الأمن القومي: التخوف من إمكانية وصول الحكومة الصينية إلى بيانات المستخدمين الأمريكيين، أو استغلال خوارزمية المنصة في التأثير على الرأي العام.

حرية التعبير: خشية أن يؤدي الحظر إلى اتهام الإدارة بفرض قيود على منصات التواصل الاجتماعي وممارسة نوع من الرقابة.

التواصل السياسي: الحاجة الماسة لاستخدام المنصة كأداة للوصول إلى الناخبين، خصوصًا في موسم انتخابي محتدم.

انضمام البيت الأبيض إلى تيك توك يُظهر أن الأولوية الثالثة فرضت نفسها على حساب الأولويتين الأوليين، على الأقل في المدى القصير. لكن هذا القرار قد يُضعف حجج الإدارة أمام المشرعين والأجهزة الأمنية.

خلاصة

انضمام البيت الأبيض إلى تيك توك لا يُمكن اعتباره مجرد قرار اتصالي، بل هو محطة تكشف عمق التعقيدات في العلاقة الأمريكية–الصينية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أن المنصة خطړ أمني، تُقرّر أن تجعلها وسيلة رسمية للتواصل مع الشعب. هذا التناقض استغلته الصين بسرعة لتأكيد روايتها حول «النفاق السياسي» و«تسليح الأمن القومي».

ومع اقتراب الموعد النهائي لبيع الأصول الأمريكية، تبدو الإدارة أمام مفترق طرق صعب: إما تمديد يفتح الباب لمزيد من الانتقادات، أو صفقة بيع منقوصة القيمة، أو حظر يربك ملايين المستخدمين ويكشف عن فجوة هائلة بين الخطاب والممارسة.