لافروف يشعل الجدل: يدّعي أن زيلينسكي هو العقبة أمام القمة مع بوتين بينما القصف يشتد على لفيف

لافروف يصعّد الموقف: زيلينسكي "العقبة الكبرى" أمام قمة مع بوتين وسط قصف متواصل على لوفيف

تشهد الساحة السياسية والعسكرية بين موسكو وكييف فصلًا جديدًا من التوتر، بعد تصريحات لافتة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي اعتبر أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشكّل "الحاجز الأساسي" أمام عقد قمة مباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين. جاءت هذه التصريحات في وقت بالغ الحساسية، حيث واصلت القوات الروسية شن ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة على عدة مناطق غربية في أوكرانيا، كان أبرزها مدينة لوفيف، ما أثار جدلاً واسعًا بين المحللين حول ما إذا كان التصعيد المزدوج السياسي والعسكري يهدف إلى دفع الغرب وأوكرانيا نحو طاولة المفاوضات بشروط روسية بحتة.

خلفية التصريحات: لافروف يضع شروطًا مسبقة

منذ اندلاع الحړب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، ظلّت احتمالية عقد قمة بين بوتين وزيلينسكي مطروحة على الطاولة من حين لآخر، لكنها لم تتحقق حتى الآن. تصريحات لافروف الأخيرة جاءت لتؤكد أن موسكو لا ترى أي جدوى من لقاء القمة إذا لم تتهيأ "أرضية سياسية مناسبة"، وفق تعبيره.

الوزير الروسي شدّد على أن الحوار المباشر مع كييف مرهون بما تسميه موسكو "ضمانات أمنية استراتيجية"، أي اعتراف أوكرانيا ومؤيديها الغربيين بأن لروسيا الحق في أن تكون طرفًا أساسياً في صياغة الترتيبات المستقبلية لأمن المنطقة. كما لمّح إلى أن الغرب هو من يدفع زيلينسكي للتصلّب، معتبرًا أن "القيادة الأوكرانية الحالية تتلقى توجيهات مباشرة من واشنطن وبروكسل، ما يجعلها غير مؤهلة لاتخاذ قرارات مستقلة".

بهذا المعنى، حمّل لافروف الرئيس الأوكراني مسؤولية عرقلة أي تقدّم دبلوماسي، وهو خطاب يهدف بحسب محللين إلى نقل صورة أن موسكو مستعدة للحديث، بينما الطرف الآخر هو من يرفض.

ردود أوكرانية وغربية: "مناورة سياسية وليست مبادرة سلام"

في كييف، أثارت التصريحات الروسية ردود فعل حادة. مسؤولون أوكرانيون وصفوا كلام لافروف بأنه محاولة جديدة لـ"تزييف الحقائق" وإلقاء اللوم على الضحېة. وزارة الخارجية الأوكرانية أكدت أن زيلينسكي ملتزم بخطط السلام العادل، لكنه يرفض القبول بـ"إملاءات روسية" تمس السيادة الوطنية أو تشرعن السيطرة على أراضٍ أوكرانية.

أما على الصعيد الغربي، فقد اعتبرت عدة عواصم أوروبية أن موسكو تسعى عبر هذه الخطابات إلى تصوير نفسها كمنفتح على الحوار، بينما تستمر في الوقت ذاته بزيادة وتيرة الھجمات العسكرية. واشنطن، من جانبها، رأت أن "المشكلة ليست في أوكرانيا، بل في استمرار روسيا بفرض شروط غير مقبولة واستخدام القوة العسكرية لإملاء إرادتها".

هذا التباين في السرد يعكس جوهر الصراع: موسكو تريد أن يُعترف بدورها كضامن وحَكَم في أي تسوية، بينما أوكرانيا والغرب يعتبران ذلك مساواة بين المعټدي والضحېة.

القصف على لوفيف: المدنيون في مرمى النيران

على الأرض، لم تكن تصريحات لافروف سوى خلفية إعلامية لموجة جديدة من الضربات الروسية. خلال الساعات الأخيرة، استُهدفت مدينة لوفيف — التي تقع غرب أوكرانيا وتُعدّ من أكثر المناطق استقبالًا للنازحين — بعدة صواريخ وطائرات مسيّرة.

أفادت السلطات المحلية بأن الدفاعات الجوية الأوكرانية أسقطت عددًا من الأهداف، لكن بعضها أصاب أحياءً سكنية ومنشآت خدمية، ما أسفر عن سقوط قټلى وچرحى وحدوث أضرار مادية واسعة. الصور الواردة من هناك أظهرت بنايات مدمرة وسيارات محترقة، فيما هرعت فرق الإنقاذ للبحث عن ناجين تحت الأنقاض.

تأتي هذه الھجمات لتؤكد أن المناطق البعيدة نسبيًا عن الجبهات الشرقية والجنوبية لم تعد بمنأى عن التصعيد، وأن الاستراتيجية الروسية تتجه نحو إنهاك أوكرانيا عبر ضړب عمقها المدني والبنية التحتية، وهو ما يزيد معاناة السكان ويثقل كاهل الحكومة الأوكرانية.

التوقيت ودلالاته: ضغوط متوازية

المراقبون يرون أن تزامن هذه الضربات مع التصريحات السياسية ليس مجرد صدفة. فروسيا تستخدم، بحسب محللين عسكريين، "المزاوجة بين العصا الدبلوماسية والعصا العسكرية" للضغط على أوكرانيا. أي أن موسكو تعرض فكرة القمة من جهة، لكنها تجعل الميدان أداة لإظهار أن رفض كييف سيكلّفها المزيد من الخسائر.

بهذا الأسلوب، يُراد إيصال رسالة مزدوجة: لروسيا القدرة على التفاوض، ولديها كذلك أدوات إيلام مستمرة إذا لم يتم تلبية شروطها. غير أن هذا النهج يواجه انتقادات واسعة، إذ يراه الغرب "ابتزازًا سياسيًا عبر الحړب"، وهو ما قد يزيد الهوة بدلًا من ردمها.

انعكاسات إنسانية وسياسية

بالنسبة للمدنيين، لا تختلف الحسابات السياسية كثيرًا عن صخب الطائرات المسيّرة التي تحوم فوق رؤوسهم. سكان لوفيف، الذين اعتقدوا أنهم في منطقة أكثر أمنًا مقارنة بالشرق والجنوب، يجدون أنفسهم اليوم في مرمى الخطړ، ما أدى إلى موجة جديدة من النزوح الداخلي وارتفاع الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.

من الناحية السياسية، يمكن القول إن تصريحات لافروف وما تلاها من قصف يوجهان رسائل على أكثر من مستوى: إلى الداخل الروسي، حيث يريد الكرملين أن يظهر بمظهر الطرف "المنفتح والمسؤول"؛ إلى الغرب، الذي تُتهم عواصمه بعرقلة التسوية؛ وإلى أوكرانيا نفسها، التي تواجه معادلة صعبة بين الصمود العسكري وضرورة حماية المدنيين.

خلاصة

في نهاية المطاف، يبدو أن القمة التي يتحدث عنها لافروف ليست سوى ورقة ضغط إضافية في حرب طويلة الأمد، حيث ما يزال المدنيون هم الخاسر الأكبر.