أمازون تتجه نحو محتوى الفيديو بقيادة المشاهير بعد التخلي عن صفقات البودكاست غير المربحة

أمازون تغيّر المعادلة: من البودكاست إلى الفيديو بقيادة المؤثرين بعد فشل صفقات الصوت

في خطوة استراتيجية مٹيرة للجدل ولكنها مفهومة في ظل التغيرات المتسارعة في تفضيلات الجمهور الرقمي، أعلنت شركة أمازون مؤخرًا عن إعادة هيكلة جذرية لذراعها الصوتي Wondery، الذي استحوذت عليه عام 2021 مقابل ما يقارب 300 مليون دولار. القرار شمل تسريح أكثر من 100 موظف، وتوجيه استثمارات الشركة نحو المحتوى المرئي المرتبط بالمؤثرين والمشاهير، في ما يُعد تحوّلًا لافتًا في خارطة الإعلام الرقمي الذي كان يهيمن عليه البودكاست التقليدي خلال السنوات القليلة الماضية.

خلفية الصفقة: استثمار طموح لم يؤتِ ثماره كما كان متوقعًا

عندما استحوذت أمازون على شركة Wondery، كانت تراهن على الاستفادة من الشعبية المتنامية للبودكاست كوسيلة جذب جماهير جديدة نحو منصاتها المختلفة، وخاصة Audible وAmazon Music. آنذاك، كانت الصناعة تشهد طفرة نمو هائلة، حيث بدا أن البرامج السردية والإخبارية والروائية تستهوي جمهورًا واسعًا باحثًا عن محتوى غني يُستهلك أثناء التنقل أو العمل أو الاسترخاء.

لكن رغم الزخم الأولي، اصطدمت الاستراتيجية بعقبات حقيقية. فرغم جودة الإنتاج في العديد من برامج Wondery مثل "Dr. Death" و"American Scandal"، فإن النمو المالي لم يكن على قدر التوقعات. إذ أظهرت تقارير داخلية من الشركة أن الإعلانات ضمن البودكاست الصوتي لم تحقق العائد الاستثماري المرجو، كما أن صعوبة قياس الجمهور بدقة مقارنةً بمنصات الفيديو مثل YouTube شكّلت عائقًا أمام المعلنين.

إغلاق استوديو Wondery: خطوة نحو إعادة التموقع

في أوائل أغسطس 2025، أعلنت أمازون رسميًا عن دمج استوديو Wondery ضمن Audible، مما أنهى عمليًا نشاطه كاستوديو مستقل. شملت هذه الخطوة تسريح ما يقرب من 110 موظفًا، من بينهم كبار المسؤولين التنفيذيين مثل الرئيسة السابقة جين سارجنت. كما تم إلغاء أو تجميد عدد من المشاريع السردية التي كانت قيد الإنتاج.

لكن هذه الخطوة لم تكن مجرد تقليص. بل أعادت الشركة توزيع بعض فرق العمل، واحتفظت بعلامة Wondery، ولكن في شكل جديد، حيث أصبحت تركز على تطوير البرامج التي يقودها المؤثرون والمشاهير — وهي برامج تجمع بين الصوت والصورة وتحقق تفاعلًا أعلى عبر المنصات المتعددة.

التحول نحو الفيديو: المحتوى المرئي يقود المستقبل

أبرز ما يميز التحول الجديد هو إعادة توجيه الموارد نحو برامج مرئية يقودها نجوم ومؤثرون يمتلكون قاعدة جماهيرية ضخمة. من الأمثلة البارزة: برنامج "New Heights" الذي يقدمه ترافيس وكيسون كيلسي، نجما دوري كرة القدم الأمريكية، وكذلك "Armchair Expert" للممثل داكس شيبرد، الذي حظي بشعبية هائلة على YouTube ومنصات البث.

بحسب تصريحات ستيف بوم، نائب رئيس وحدة الصوت في أمازون، فإن مصطلح "البودكاست" لم يعد يعبر بدقة عن هذا الشكل الجديد من المحتوى. فالبرامج لم تعد تقتصر على الصوت، بل أصبحت تصور بكاميرات عالية الجودة، وتُنشر بشكل متزامن على YouTube، TikTok، وInstagram، مما يضاعف من حجم الجمهور وفرص الإعلان.

هذا التحول يعكس تغيرًا واسع النطاق في سلوك المستهلك، حيث أصبح المستخدمون أكثر انجذابًا للمحتوى الذي يجمع بين الحوار المرن والصورة الجذابة، خاصة حين يصدر من شخصية محبوبة أو مؤثرة. كما أن هذه الصيغة تتيح فرصًا إعلانية مرئية أوسع، مثل المنتجات التي تظهر داخل الحلقة، أو الرعايات البصرية التفاعلية.

العوامل الاقتصادية: ميزانية الإعلانات توجه البوصلة

وفقًا لتقرير حديث في صحيفة وول ستريت جورنال، فإن عددًا صغيرًا من برامج البودكاست يقود معظم الإيرادات في هذا القطاع، ومعظمها تقوده شخصيات معروفة وتُبث بنسخة مرئية. 

هذا الواقع دفع العديد من الشركات — ليس فقط أمازون، بل أيضًا Spotify وSiriusXM — إلى إعادة النظر في استراتيجيات الاستثمار في الصوت فقط. ففي عالم يعتمد فيه المعلنون على نتائج دقيقة، لا يبدو البودكاست السردي خيارًا مغريًا كما كان في السابق.

أين يتجه سوق المحتوى الرقمي؟

مع هذا التحول الكبير من الصوت إلى الصورة، يبدو أن مستقبل البودكاست التقليدي بات على المحك. فبينما لا يزال هناك جمهور مخلص لهذا النوع من المحتوى، خاصة في الروايات والتقارير الاستقصائية، إلا أن المعلنين يفضلون المحتوى القابل للمشاهدة، القادر على توليد تفاعل مباشر وفوري.

من جانب آخر، يشكل هذا التحول فرصة كبيرة لصنّاع المحتوى المستقلين، الذين يمتلكون بالفعل قاعدة متابعين قوية على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أصبح بإمكانهم تحويل محادثاتهم العفوية أو برامجهم الحوارية إلى مصادر دخل ضخمة، بشرط أن تتوافق مع توقعات المنصات والمعلنين.

التوقعات المستقبلية: هل تنجح أمازون في رهانها الجديد؟

التحول الذي أقدمت عليه أمازون ليس خاليًا من المخاطر. فالدخول بقوة إلى سوق الفيديو يتطلب منافسة مع لاعبين كبار مثل Google (عبر YouTube) وMeta (عبر Instagram وFacebook)، وهو ما يتطلب بنية تحتية رقمية ضخمة وخوارزميات توصيّة ذكية.

لكن ما تمتلكه أمازون هو شبكة ضخمة من العملاء المخلصين، وتكامل قوي بين خدماتها مثل Prime Video وAudible وAmazon Music، مما يمنحها أفضلية في دمج التجربة السمعية والبصرية ضمن منظومة واحدة.

إذا نجحت أمازون في تقديم برامج جذابة، بقيادة مؤثرين ذوي شعبية، واستطاعت تحقيق عوائد إعلانية مستدامة، فقد تتحول إلى لاعب محوري في سوق الإعلام الرقمي الجديد، ويصبح إغلاق Wondery مجرّد فصل في قصة إعادة التموضع الذكية.

خلاصة

لم تعد أمازون ترى مستقبلًا مربحًا في الاستثمار في البودكاست السردي وحده، لذا اختارت التحوّل إلى نموذج أكثر واقعية ومرونة، يعتمد على فيديوهات مؤثرة وشخصيات لها جماهير واسعة. ومع تغير سلوك الجمهور، وزيادة الطلب على الترفيه المرئي، يبدو أن هذا القرار هو انعكاس طبيعي للتطورات المتسارعة في مشهد الإعلام الرقمي.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل ستقود أمازون المرحلة التالية من تطور المحتوى الرقمي، أم ستكون مجرد متفرج في سباق تسيطر عليه المنصات الاجتماعية وشركات البث الكبرى؟