محللون يتوقعون مزيدًا من تراجع الجنيه المصري بحلول منتصف 2026

الجنيه المصري أمام الدولار: هل يشهد مزيدًا من التراجع حتى منتصف 2026؟

يواجه الجنيه المصري مجددًا موجة من التوقعات المتشائمة، بعد سلسلة طويلة من التراجعات الحادة التي بدأت منذ عام 2022، حين بدأ البنك المركزي المصري تطبيق سياسة مرونة سعر الصرف، استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي ومتغيرات الاقتصاد العالمي.

وفي أحدث التوقعات الاقتصادية، رجّح عدد من المحللين والمراكز المالية الدولية أن يواصل الجنيه المصري تراجعه التدريجي أمام الدولار الأمريكي، في ظل استمرار الضغوط على العملة المحلية، ووجود فجوة تمويلية لم تُغلق بعد بالكامل.

سياق التراجع.. خطوات إصلاحية أم تآكل للعملة؟

شهد الجنيه المصري ثلاث موجات تعويم رئيسية خلال الأعوام القليلة الماضية، بدأت أولاها في نوفمبر 2016، ثم تلتها موجة ثانية في أكتوبر 2022، أعقبتها موجة ثالثة في مارس 2024. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات جاءت ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية تهدف إلى معالجة الاختلالات المالية وتشجيع الاستثمارات، إلا أن تداعياتها كانت قاسېة على المواطن العادي، وخلقت ضغوطًا معيشية واسعة.

وقد وصل سعر صرف الجنيه حاليًا في السوق الرسمية إلى نحو 48.5 جنيهًا للدولار في أغسطس 2025، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو 200% مقارنة بسعره في 2021، حين كان مستقراً عند مستوى 15.7 جنيهًا للدولار.

توقعات المؤسسات المالية

بحسب تقرير حديث أصدرته شركة "كابيتال إيكونوميكس" البريطانية – وهي واحدة من أبرز المؤسسات البحثية المتخصصة في الأسواق الناشئة – فإن الجنيه المصري مرشح لمزيد من الانخفاض خلال الأشهر المقبلة.

من جانب آخر، حذرت وكالة "موديز" العالمية للتصنيف الائتماني من أن استمرار التراجع في الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي، واستمرار الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي، قد يضيفان ضغوطًا إضافية على العملة المحلية.

عوامل تؤثر في المشهد

الالتزامات الخارجية:
تُقدّر احتياجات مصر التمويلية خلال العام المالي الحالي بأكثر من 30 مليار دولار، تشمل سداد أقساط ديون ومستحقات لصناديق سيادية ومؤسسات دولية. ويؤدي هذا العبء إلى استنزاف متواصل للعملات الأجنبية، مما يضغط على الجنيه.

تحويلات العاملين بالخارج:
تشير بيانات البنك المركزي إلى تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة تجاوزت 20% مقارنة بذروة عام 2021. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى الفجوة بين سعر السوق الرسمية والموازية، ما يدفع البعض إلى إرسال الأموال عبر قنوات غير رسمية.

السياحة والاستثمار:
رغم تعافي قطاع السياحة نسبيًا، إلا أن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يستعد بعد زخم ما قبل الجائحة. ويعود ذلك إلى بيئة تشريعية لا تزال تحتاج إلى تطوير، إلى جانب تخوفات مرتبطة بعدم وضوح السياسات النقدية مستقبلاً.

الاتفاق مع صندوق النقد الدولي:
تحصلت مصر على دفعة جديدة من قرض صندوق النقد الدولي في أبريل 2025، لكنها لا تزال مطالبة بتنفيذ حزمة من الإجراءات المتعلقة بتحرير السوق، وترشيد الدعم، وزيادة مساهمة القطاع الخاص. عدم الالتزام بهذه التعهدات قد يؤدي إلى تأخر دفعات جديدة، مما يزيد الضغط على العملة.

أثر التراجع على المواطنين

انعكاسات تراجع الجنيه لا تقتصر فقط على مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل تطال الحياة اليومية للمصريين. فقد أدى انخفاض قيمة العملة إلى موجات تضخم متتالية، دفعت بأسعار السلع الأساسية، خاصة المستوردة منها، إلى مستويات غير مسبوقة.

ويتوقع أن يؤدي أي تراجع إضافي في سعر صرف الجنيه إلى ارتفاع جديد في أسعار الوقود، السلع الغذائية، والأدوية، مما يثقل كاهل الطبقة المتوسطة والفقيرة، التي تعاني بالفعل من ضغوط معيشية خانقة.

ما البدائل المطروحة؟

يشير خبراء إلى ضرورة تبني الحكومة المصرية لحلول مستدامة، من أبرزها:

تحفيز الصادرات الصناعية والزراعية بدل الاعتماد على الريع والخدمات.

توسيع قاعدة الضرائب بشكل عادل وتحسين الإدارة المالية.

جذب استثمارات أجنبية طويلة الأجل من خلال تحسين مناخ الأعمال.

إصلاح منظومة الدعم تدريجيًا لضمان الكفاءة وتقليل الهدر.

الخلاصة

التحذيرات بشأن تراجع الجنيه المصري ليست نبوءات كارثية، بل إشارات تنبه إلى حجم التحديات التي لا تزال تواجه الاقتصاد المحلي.

ويبدو أن عامي 2025 و2026 سيكونان حاسمين في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث، فإما أن يكونا سنوات تعافٍ واستقرار نسبي، أو محطات جديدة في مسار الانحدار إذا ما تأخرت الإصلاحات الجوهرية.