Stephen Lapthisophon فنان صوتي فقد بصره وأدخل أبعادًا فلسفية في أعماله 

ستيفن لابتيسوفون: من فقد البصر إلى رحلة حسية فلسفية في الفن

في عام 1994، خسر الفنان الأمريكي ستيفن لابتيسوفون قسمًا كبيرًا من بصره نتيجة اضطراب عصبي في العصب البصري. لكنه لم يُنظر إليه باعتباره نهاية المادة—بل بداية لتحوّل عميق. فبعد أن أصبح أعمى قانونيًا، اتخذ من هذا التحوّل بداية لخلق أعمال فنية تنبض بحضور حسي وفكري يضعه في طليعة المشهد الفني المعاصر.

من الإعاقة إلى الإبداع الجديد

أدت هذه التجربة إلى انتقاله من الفن البصري إلى مجالات حسّية متعددة تشمل الصوت، النص، الطعام، والروائح. فقد صرّح أن الإعاقة بصدد تحريره—"لقد ولدت لدي طاقة إبداعية أعظم"، كما وصفها. ومع فقدانه للقدرة على الرؤية التقليدية، بدأ "يقرأ بعينيه وسمعه وذوقه"، مصيرًا الأعمال الفنية إلى حقل متعدد الحواس.

تكوين التثاقف الحسي في أعماله

تتميز أعمال لابتيسوفون باستخدامه مواد يومية غير تقليدية كالدهون الحيوانية، حبوب القهوة، القرفة، الجلد، ورق الصحف، وحتى قشور البيض. هذه المواد لا تقتصر على الأحاسيس البصرية بل تحفز اللمس والرائحة وتحمل رموزًا ثقافية وتاريخية. يتم ترتيبها بهدف "إبطاء الزمن وإفساح المجال لتدوين المعنى"، كما يوضح بيانه الفني.

الصوت والنص كبدائل للإبصار

يُعد الصوت عنصرًا محوريًا في تركيباته، حيث تجتمع أصوات خاملة—من ضوضاء الشاشات حتى تشوشات التسجيلات—لتشكل نسيجًا سمعيًا يُذكرنا بأن الإدراك لا يعتمد فقط على الأبصار. في إحدى معارضه، أشار إلى أن جهازه الصوتي الذي يقرأ النصوص له "يقرأ بعناية ومرتين"، كناية عن علاقة حميمية بين الفنان والنص، رغم أنه لم يعد يراه.

مشاريع تركيبيّة تعكس “بنية الإعاقة”

في التركيبة الشهيرة With Reasonable Accommodation (إنفاذًا لقانون الأميركيين ذوي الإعاقة)، صمم بيئة تركيبية تشبه مضمار عقبات—سلالم، أدراج، أعمدة، كراسي، أسلاك كهربائية معلقة. الهدف: تعكس شعوره بعالم جغرافي غير مناسب للأعماء رغم القوانين. في زاوية، كاسيتات صوت مشوشة، وشاشة معلقة تقول "معلومات" دون محتوى، كل ذلك ليظهر التناقض بين التوسّع القانوني والوضع الفعلي.

النص والمنهج الفلسفي

لابتيسوفون يضع اللغة في قلب محاولته الفنية. تستند أعماله إلى اقتباسات فلسفية وأدبية، تُستخدم كمواد تؤسس للمعنى. يكتب في بيانته أنه يسعى عبر هذا الاقتباس لإعادة توجيه الانتباه بعيدًا عن الحاضر المفروض عليه، إلى قراءة بطيئة وتأمل عميق. لغة الفن لديه خالية من المنتجات التجارية، وتفضل التجربة المؤقتة على الديمومة.

أعمال بارزة ومعارض عالمية

من أبرز معارضه:

Concentrations 56 (2013) في متحف دالاس للفنون، حيث استخدم القهوة والفواكه الجذرية والشعر المختار لخلق تركيبة حسّية تحتفي بالخسارة والتجربة.

عرض في Conduit Gallery عام 2023 بعنوان "S"، ضم أعمالًا مختارة من 2003 إلى 2020، مع مزيج من النصوص والتراكيب الحسية لتعكس تطوره كمعلم مساعد ومثقّف في مجتمع دالاس الفني.

كما عُرضت أعماله في صالات ومتاحف عالمية في ألمانيا وإسبانيا والسويد وفرنسا والمملكة المتحدة والمكسيك، وقد حاز على جائزة Wynn Newhouse Award عام 2008 لتقدير إسهامه الفني من منظور الإعاقة.

التعليم والنقل الفكري

كمدرس في جامعة تكساس لعدة سنوات، كان لابتيسوفون مرشدًا أساسيًا للجيل الجديد من الفنانين والمعلمين. يرى أن الفن يجب أن يبطئ التلقي ويطالب بـ"التواجد الكامل في اللحظة"، ويعتبر التثاقف الحسي والبطيء من أهم أساليب مقاومة الزحف التقني السريع.

رؤية فلسفية منتقاة

تستند فلسفته الفنية إلى تيارات فكرية مثل Arte Povera وSituationists التي تحرص على دمج الحياة اليومية بالفن. وهو يرى في الإعاقة مرآة تساعدنا على فهم الطرق المختلفة التي نُشارك بها العالم—من منظور الجسد وإعادة الترتيب الحسي.

الخلاصة

ستيفن لابتيسوفون هو مثال استثنائي على قدرة الإنسان على إعادة اختراع تجربته بعد فقدان البصر. من خلال مزجه بين الصوت والنص والمواد اليومية، يقدم أعمالًا تتجاوز الرؤية وتثير تساؤلات عن الإدراك، الإعاقة، والذاكرة الثقافية. فنّه ليس دعوة للمشاهدة السريعة، بل هو تمرين في التأنّي والبصيرة الداخلية—بلغة بطئية، وروح تأملية، تتحدى التوقعات البصرية.

هذه الرواية عن الفنان الأعمى لا تنتهي عند فقدان البصر، بل تبدأ معه، لتفتح مساحة فنية فلسفية يندر أن نراها في عصر السرعة. أعماله تذكّرنا بأن الفن الحقيقي يبدأ حين نُعيد التفكير في طريقة وجودنا في العالم.