باحثون يكتشفون نمطًا جينيًا فريدًا لدى سكان المرتفعات يعزز فهمنا لتكيّف الإنسان مع نقص الأكسجين

"الجين المرتفع": اكتشاف وراثي يفسر قدرة سكان المرتفعات على التكيّف مع نقص الأكسجين

في واحدة من أكثر الدراسات الجينية إثارة في السنوات الأخيرة، تمكن فريق من الباحثين الدوليين من فك شيفرة نمط جيني فريد يميز سكان المرتفعات، مثل التبتيين والإثيوبيين وسكان جبال الأنديز، يمكن أن يعيد رسم ملامح فهمنا لآلية تكيّف الإنسان مع البيئات القاسېة التي تنخفض فيها مستويات الأكسجين. هذا الاكتشاف العلمي لا يقتصر فقط على المجال الوراثي، بل يمتد إلى ميادين الطب، وعلم الأحياء التطوري، وربما يساهم مستقبلاً في تطوير علاجات للأمراض المرتبطة بنقص الأوكسجين، مثل فشل القلب أو أمراض الرئة.

الارتفاع ليس مجرد بيئة جغرافية... بل تحدٍّ بيولوجي

المعيشة في مناطق مرتفعة، تتجاوز 3500 متر عن سطح البحر، تفرض على الجسم البشري اختبارات قاسېة. ففي هذه البيئات، يتراجع الضغط الجوي وبالتالي تقل كثافة الأكسجين في الهواء. هذا يعني أن كل شهيق يحتوي على كمية أقل من الأوكسجين، مما يشكل عبئًا كبيرًا على الجسم، وخاصة على القلب والرئتين والدماغ.

لكن سكان المرتفعات لا يعيشون فحسب في هذه الظروف، بل يؤدّون مهامًا يومية شاقة أحيانًا دون أن تظهر عليهم علامات نقص التأكسج (Hypoxia) التي يعاني منها الزائرون من المناطق المنخفضة. كان هذا التباين مثار حيرة لدى العلماء لعقود طويلة، حتى بدأت تقنيات التحليل الجيني الحديث تميط اللثام عن هذا اللغز.

الجين EPAS1: مفتاح الحياة على السحاب

كشفت دراسات متلاحقة منذ 2010 وحتى اليوم، بقيادة علماء من جامعتي كامبريدج وكولورادو وغيرها، أن جينًا معينًا يُدعى EPAS1 هو المسؤول عن الاختلاف في استجابة الجسم لنقص الأوكسجين. لدى سكان التبت، على سبيل المثال، يحمل هذا الجين طفرة نادرة تُعد فريدة من نوعها ولا توجد في معظم البشر الآخرين.

يعمل هذا الجين على تنظيم إنتاج خلايا الډم الحمراء في الجسم. ففي الظروف الاعتيادية، يؤدي نقص الأكسجين إلى زيادة عدد هذه الخلايا لتعويض النقص، مما يزيد كثافة الډم ويشكل عبئًا على القلب. أما عند سكان التبت، فإن هذه الطفرة في EPAS1 تقلل هذا التفاعل المفرط، وتحافظ على توازن صحي يسمح لهم بالتنفس بكفاءة دون أن يعانوا من مضاعفات مثل ارتفاع ضغط الډم الرئوي.

دراسات متقاطعة من الهيمالايا إلى الأنديز

لا يقتصر التكيّف الجيني على التبتيين فقط، إذ أظهرت أبحاث جديدة نُشرت في دورية Cell عام 2024 أن سكان جبال الأنديز يملكون نمطًا جينيًا مختلفًا أيضًا، لكنه يؤدي إلى نفس النتيجة الوظيفية: القدرة على التكيف مع الأوكسجين المنخفض. المثير أن هذا التكيف حدث عبر مسارات جينية مختلفة، ما يثبت أن التطور يمكن أن يتخذ طرقًا متعددة للوصول إلى نتائج مشابهة بحسب البيئة الجغرافية والتاريخ الوراثي للسكان.

أما في إثيوبيا، فقد وجدت دراسة حديثة أن قبائل "الأمهرا" و"الأورومو" التي تعيش في مرتفعات تتجاوز 3500 متر لديها تحورات جينية خاصة تجعل مستويات الهيموغلوبين لديهم مستقرة نسبيًا، على الرغم من العيش في بيئات نادرة الأكسجين.

من الجينات إلى المستشفيات: آفاق طبية واعدة

يمتد تأثير هذا الاكتشاف إلى المجال الطبي، خاصة في علاج أمراض مثل الانسداد الرئوي المزمن أو نقص التأكسج أثناء العمليات الجراحية. بحسب البروفيسورة ميليسا رينولدز من جامعة واشنطن، فإن فهم كيفية تنظيم جين EPAS1 أو غيره من الجينات المرتبطة باستقلاب الأوكسجين يمكن أن يفتح الباب أمام تطوير أدوية تحاكي هذا التكيف الجيني، أو حتى تدخلات جينية مستقبلية.

وقد بدأ بالفعل العمل على تجارب مخبرية تعتمد على "كبح" أو "تنشيط" جين EPAS1 لدى الفئران المعدلة وراثيًا، بهدف معرفة تأثيراته في الحالات المړضية التي تتطلب دعماً للأوكسجين. وتشير النتائج الأولية إلى قدرة هذه التعديلات على الحد من الضرر الخلوي الناتج عن نقص الأكسجين.

إرث قديم... من إنسان دينيسوفا؟

واحدة من أكثر الفرضيات إثارة في هذا المجال، كشفتها دراسة من جامعة كاليفورنيا تشير إلى أن الطفرة في جين EPAS1 لدى سكان التبت قد تكون موروثة من إنسان "دينيسوفا"، وهو نوع قديم من البشر انقرض منذ عشرات آلاف السنين، لكنه ترك بصمة جينية في بعض المجموعات البشرية. إذا صحّت هذه الفرضية، فإنها ستُعدّ دليلًا قويًا على أن تفاعل الإنسان مع البيئات القاسېة لم يكن محصورًا بالآلاف القليلة من السنوات، بل امتد عبر تاريخ تطوري طويل.

انعكاسات بيئية واجتماعية

بعيدًا عن الجوانب العلمية والطبية، يسلط هذا الاكتشاف الضوء على أهمية الحفاظ على المجتمعات الأصلية التي تعيش في ظروف بيئية فريدة. فالتنوع الجيني الموجود فيها ليس فقط إرثًا ثقافيًا أو اجتماعيًا، بل كنز بيولوجي قد يحمل حلولًا لمشاكل طبية تواجه البشرية جمعاء. كما يثير أسئلة حول التأثيرات المستقبلية لتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، إذ يمكن أن يؤثر ذلك في توزيع السكان وتوازنات التكيف الطبيعي.

ختامًا

إنّ فهم الكيفية التي يتكيّف بها الإنسان مع البيئات القاسېة، مثل نقص الأكسجين في المرتفعات، لا يعزز فقط معرفتنا بالتطور البشري، بل يحمل إمكانيات عملية ملموسة في مجالات الطب الحيوي، والعلاجات المستقبلية. ويؤكد هذا الاكتشاف أن خريطة الجينات البشرية لا تزال تخبّئ الكثير من الأسرار، وأن الجينات التي سمحت للبشر بالبقاء في أعلى القمم قد تكون مفتاحًا لفهم أمراضنا في أدنى الوهاد.