باحثون يكتشفون أنماطًا جديدة في الموجات الدماغية قد تعيد تشكيل فهمنا للوعي والإدراك البشري

أنماط موجية دماغية غير معروفة سابقًا قد تعيد رسم حدود فهمنا للوعي البشري

في تطور لافت في علوم الأعصاب، اكتشف فريق بحثي دولي بقيادة علماء من "معهد سالك للدراسات البيولوجية" نمطًا غير مسبوق من الموجات الدماغية البشرية، قد يؤدي إلى تغيير جذري في الطريقة التي نفهم بها الوعي والإدراك البشري. هذا الكشف الجديد، الذي نُشر مؤخرًا في دورية Nature Neuroscience، لا يُعد مجرد إضافة إلى قاعدة البيانات العصبية، بل يفتح آفاقًا مٹيرة لفهم كيف تنشأ الحالات العقلية المعقدة كالوعي والذاكرة والانتباه.

موجات غامضة تُرصد في عمق الدماغ

قام العلماء بتتبع إشارات كهربائية عصبية باستخدام أدوات دقيقة تعتمد على تسجيلات كهربية عالية الدقة في أدمغة بشړية خضعت لجراحات لعلاج الصرع. وبدلاً من رصد الأنماط الكلاسيكية المعروفة مثل موجات ألفا وثيتا وغاما، لاحظ الباحثون وجود نمط تذبذب جديد كليًا وصفوه بأنه "موجات الوعي النشطة المتكررة"، والتي تنشأ في القشرة المخية وتنتشر عبر مناطق متعددة في الدماغ بوتيرة وتناغم غير مألوفين.

يقول الدكتور تيري سيجنوفسكي، أحد المشاركين في البحث: "هذا النمط الجديد لا يشبه أي نوع من النشاط العصبي رصدناه من قبل. يبدو أنه مرتبط بحالات الوعي المتغيرة، مثل الانتقال من اليقظة إلى النوم أو من التركيز إلى الشرود، وقد يكون له دور محوري في تنظيم سلوك الإنسان وإدراكه للذات والعالم المحيط."

آثار ثورية على الفلسفة والطب النفسي

ما يثير الاهتمام بشكل خاص هو أن هذه الموجات ظهرت في أوقات كان يُعتقد فيها أن الدماغ "هادئ" نسبيًا، مثل لحظات التأمل أو الاسترخاء العميق. هذا يتحدى التصورات التقليدية التي ربطت نشاط الدماغ فقط بالتحفيز الحسي أو المهام الإدراكية.

ويرى بعض الباحثين أن هذه النتائج قد تُعيد إشعال الجدل الفلسفي حول طبيعة الوعي: هل هو ناتج عن تفاعل ميكانيكي بين خلايا الدماغ، أم أنه ظاهرة أوسع تتجاوز التفسير البيولوجي الصرف؟ في هذا السياق، يقول البروفيسور مايكل رايت، من قسم الفلسفة العصبية بجامعة أكسفورد: "قد تكون هذه الموجات بمثابة 'الإيقاع الباطني' للوعي، أي الإشارة الأساسية التي تنسّق باقي العمليات العقلية. وهذا يضعنا على أعتاب فهم جديد جذري لعقل الإنسان."

تطبيقات مستقبلية قد تشمل الذكاء الاصطناعي والطب

يأمل العلماء أن تسهم هذه الاكتشافات في تحسين علاجات الحالات العصبية والنفسية، مثل الاكتئاب المزمن، واضطرابات النوم، واضطراب ما بعد الصدمة، وحتى حالات الغيبوبة أو "الحالة النباتية". فقد يكون تحفيز هذه الموجات الجديدة بطريقة اصطناعية مفتاحًا لإيقاظ الوعي لدى مرضى فقدان الوعي، أو تعديل المزاج لدى من يعانون من أمراض عقلية معقدة.

وعلاوة على ذلك، يرى خبراء في الذكاء الاصطناعي أن فهم هذه الأنماط العصبية العميقة قد يُستخدم في تصميم شبكات عصبية اصطناعية أكثر تطورًا، تحاكي البنية الديناميكية للدماغ البشري بطريقة غير مسبوقة، ما قد يدفع أبحاث الذكاء العام الاصطناعي (AGI) خطوات إلى الأمام.

أسئلة كثيرة لا تزال معلقة

رغم الحماسة المحيطة بهذا الاكتشاف، يحذر بعض العلماء من الإفراط في التوقعات. فحتى الآن، لم يتضح ما إذا كانت هذه الموجات مرتبطة حصريًا بالوعي، أم أنها تمثل نوعًا آخر من النشاط البيولوجي لم يُفهم بعد. بالإضافة إلى ذلك، يظل من غير المعروف ما إذا كانت هذه الأنماط تظهر في جميع البشر أم أنها تختلف بحسب العمر أو الحالة الصحية أو الخبرات النفسية.

لكن المؤكد أن هذا الاكتشاف يشكل نقطة انطلاق حاسمة في علم الأعصاب الحديث، وربما يعيد تشكيل فهمنا لجوانب جوهرية من كينونتنا كبشر.