اكتشاف مقپرة ما قبل الإنكا في بيرو تضم رفات عمرها ألف عام أثناء تمديد شبكة الغاز في ليما ما أثار دهشة علماء الآثار

اكتشاف مقپرة أثرية تعود إلى ما قبل حضارة الإنكا في ليما خلال مشروع تمديد شبكة الغاز يثير اهتمام علماء الآثار

في اكتشاف أثري فريد من نوعه، تم الكشف عن مقپرة تعود إلى فترة ما قبل حضارة الإنكا خلال أعمال تمديد شبكة الغاز في العاصمة البيروفية ليما. هذا الكشف الذي أذهل علماء الآثار وأثار اهتمام المجتمع المحلي والدولي، جاء خلال مشروع بنية تحتية حديث يعكس التحديات التي تواجه التوازن بين التطور الحضري والحفاظ على التراث الثقافي الغني في بيرو.

تفاصيل الاكتشاف الميداني

في أواخر يوليو من عام 2025، وأثناء أعمال الحفر الخاصة بتمديد شبكة الغاز الطبيعي في حي "بويينتي بييدرا" شمال العاصمة ليما، قام فريق من عمال شركة "كالييدا" بفصل التربة ليجدوا أمامهم شيئًا غير متوقع. فقد عثروا على مقپرة تضم رفات بشړية محفوظة بعناية، إلى جانب مجموعة من الأواني الفخارية المصنوعة يدوياً وأدوات فنية من قش القرع، مما يشير إلى الطقوس الډفنية المتبعة في تلك الحقبة التاريخية.

وبحسب تصريحات الدكتور خوسيه ألياغا، عالم الآثار الذي أشرف على عملية التنقيب والتحليل، فإن الأواني الفخارية المزخرفة بألوان الأبيض والأسود والأحمر تحمل رموزاً خاصة تعود إلى ثقافة "تشانكاي" التي ازدهرت على الساحل البيروفي في الفترة ما بين 1000 و1470 ميلادية، أي قبل وصول حضارة الإنكا التي أصبحت فيما بعد من أكثر الحضارات تأثيراً في أمريكا الجنوبية.

طقوس الډفن ودلالاتها

استخدم السكان القدماء طقوساً محددة في ډفن مۏتاهم، حيث وُجدت الرفات في وضعية الجلوس، مع ثني الركبتين باتجاه الصدر، وتم لفها بقطع قماش كانت تبدو متآكلة بفعل الزمن. هذا الوضع يوحي بالاحترام والطقوس الدينية التي كانت سائدة في المجتمع القديم، والتي تعكس اعتقاداتهم حول الحياة بعد المۏت ودور المۏتى في العالم الروحي.

تأتي هذه التفاصيل لتضيف الكثير من المعلومات الجديدة حول حياة وثقافة شعوب ما قبل الإنكا، وتفتح أبواباً لفهم أعمق لعاداتهم الاجتماعية والدينية التي ما تزال محاطة بالغموض.

أهمية الاكتشاف في سياق بيرو الأثري

بيرو تعد من أغنى الدول في أمريكا اللاتينية بالمواقع الأثرية، حيث يقدر الخبراء وجود أكثر من 400 موقع أثري يعود تاريخها إلى عصور ما قبل الإنكا، بعضها معروف بشكل جيد، وبعضها لا يزال ينتظر الاكتشاف. وتعتبر ليما مركزاً حضرياً متراكماً فوق طبقات تاريخية تمتد آلاف السنين، ما يجعل مشاريع التوسع العمراني هناك مليئة بالمخاطر والفرص الأثرية على حد سواء.

ومن الجدير بالذكر أن شركة "كالييدا" المسؤولة عن تمديد شبكة الغاز في ليما لديها سجل حافل بالاكتشافات الأثرية، حيث تم توثيق أكثر من 2200 موقع أثري خلال أكثر من عقدين من العمل في المدينة. وتؤكد هذه الاكتشافات أهمية التنسيق بين المشاريع التنموية وجهود الحفظ الأثري لضمان عدم فقدان أي قطعة من التراث.

ردود الفعل المحلية والدولية

لاقى الاكتشاف تفاعلاً واسعاً من سكان منطقة "بويينتي بييدرا" وسكان ليما عامة، حيث أعرب الكثيرون عن دهشتهم واعتزازهم بتاريخ مدينتهم العريق الذي كان مخفياً تحت طبقات المدينة الحديثة. وقالت فلور بريتو، إحدى سكان الحي، إن هذا الكشف جعلها تدرك أن الأرض التي تمشي عليها تحمل قصصاً آلافية تستحق الحفظ والتقدير.

وعلى المستوى الأكاديمي، رحب علماء الآثار والمؤرخون بهذا الاكتشاف الذي يمثل إضافة مهمة لفهم الثقافات القديمة في بيرو، وأشاروا إلى أن مثل هذه الاكتشافات تساعد في بناء صورة أكثر شمولية عن تطور المجتمعات البشرية في أمريكا الجنوبية.

التحديات التي تواجه التنقيب الأثري في المناطق الحضرية

على الرغم من القيمة العلمية الكبيرة لهذا الكشف، إلا أنه يسلط الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجهها مشاريع البنية التحتية في المدن التاريخية مثل ليما. فكل عملية حفر جديدة قد تكشف عن مواقع أثرية، ما يوجب وجود فرق أثرية متخصصة تواكب هذه المشاريع لتوثيق المواقع وحماية الآثار.

ويشير الخبراء إلى أن عدم اتخاذ هذه الإجراءات بشكل صارم قد يؤدي إلى ټدمير مواقع أثرية هامة دون معرفة أو تسجيل، ما يعني خسارة جزء من التراث الثقافي الذي لا يمكن تعويضه.

خاتمة

تؤكد هذه الحاډثة أن الماضي لا يزال حاضراً بيننا في المدن الحديثة التي نعيش فيها، وأن كل مشروع تنموي يحمل بين طياته إمكانية اكتشاف كنوز تاريخية غنية. يمثل هذا الاكتشاف دعوة مستمرة للحكومات والشركات والباحثين إلى العمل المشترك من أجل التوازن بين التطور التكنولوجي والحفاظ على إرث الأجداد الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من هوية الشعوب.