الشركات الكبرى تضخ مليارات في الذكاء الاصطناعي رغم اتجاه بعض المحللين إلى الحذر من ضعف العوائد

سباق المليارات في الذكاء الاصطناعي: الشركات الكبرى تراهن على المستقبل رغم التحذيرات من ضعف العوائد

في وقت يشهد فيه الذكاء الاصطناعي طفرة غير مسبوقة في الاهتمام والاستثمار، تستمر كبريات الشركات التقنية حول العالم في ضخ مليارات الدولارات في مشاريع وتقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم التحذيرات المتزايدة من عدد من المحللين الماليين الذين يرون أن هذه الاستثمارات قد لا تترجم بالضرورة إلى عوائد فورية أو ملموسة على المدى القصير.

المراهنة على المستقبل الرقمي

قادت شركات مثل مايكروسوفت، وأمازون، وألفابت (غوغل)، ومېتا موجة استثمارات ضخمة خلال عام 2024 والنصف الأول من 2025، حيث ضخت هذه الشركات مجتمعة ما يقارب 200 مليار دولار في مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية المرتبطة به، وفقًا لما ذكرته رويترز في تقريرها بتاريخ 30 يوليو 2025.

تهدف هذه الاستثمارات إلى تعزيز قدرة تلك الشركات على توفير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحسين نماذج اللغة، وتوسيع الخدمات السحابية القائمة على الحوسبة المتقدمة، خصوصًا مع المنافسة الشرسة بين مايكروسوفت وألفابت في سوق تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية.

تضخم النفقات الرأسمالية

يُعد تضاعف النفقات الرأسمالية أحد أبرز مؤشرات هذا التوجه، إذ أعلنت مايكروسوفت وحدها عن استثمار يزيد عن 50 مليار دولار خلال عام 2025 في البنية التحتية المخصصة لخدمة Azure AI، بالتعاون مع شركة OpenAI المطورة لتقنيات GPT، التي تشهد انتشارًا عالميًا واسعًا.

كذلك، رفعت أمازون من استثماراتها في AWS لتشمل بناء مراكز بيانات متطورة وتزويدها بشرائح معالجة مخصصة للذكاء الاصطناعي مثل رقاقات Trainium وInferentia، إضافة إلى الشراكة مع شركات ناشئة في المجال.

الشكوك حول العائدات الفورية

ورغم هذه الطفرة، يرى عدد من المحللين الماليين أن هذه الاستثمارات قد تكون محفوفة بالمخاطر في ظل عدم وجود مؤشرات قوية على تحقيق عوائد سريعة أو استدامة الربحية. ويرى "برنت ثيل"، محلل في Jefferies، أن المستثمرين باتوا يتوقعون نتائج مالية ملموسة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد وعود أو استعراضات تقنية، مضيفًا أن "السوق يحتاج إلى إثبات أن كل هذه التقنيات قادرة فعلاً على توليد دخل مباشر ومستدام."

وبحسب محللين من شركة مورغان ستانلي، فإن العوائد من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل روبوتات الدردشة أو خدمات الكتابة البرمجية، لا تزال محدودة نسبيًا مقارنة بحجم الأموال المستثمرة، ويرجع ذلك إلى عدم وضوح نماذج الربح الفعالة حتى الآن، خصوصًا في التطبيقات الجماهيرية.

تكنولوجيا تحت التطوير

تُعد طبيعة الذكاء الاصطناعي التوليدي سببًا رئيسيًا في هذا التفاوت، إذ أن الكثير من الاستخدامات لا تزال في طور التجربة أو التطوير، سواء على مستوى المؤسسات أو المستخدمين الأفراد. فرغم أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل قطاعات مثل التعليم، والصحة، والتصميم، والترفيه، إلا أن التطبيقات التجارية المربحة ما تزال قيد النضج.

في المقابل، تعتمد الشركات الكبرى على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تراهن فيها على أن الذكاء الاصطناعي سيكون المحرك الرئيسي للاقتصاد الرقمي خلال العقد القادم، حتى وإن استغرق الأمر وقتًا أطول من المتوقع لتحقيق العوائد المرجوة.

وجهة نظر مختلفة: التركيز على التمكين والهيمنة

يرى بعض المراقبين أن الهدف الحقيقي من هذه الاستثمارات يتجاوز العائد المالي المباشر، ويركز على ترسيخ الهيمنة التقنية والبقاء في مركز القوة العالمي، خصوصًا في ظل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما تسعى هذه الشركات لتأسيس بنية تحتية يصعب منافستها مستقبلًا، من خلال امتلاك أفضل المعالجات، وأوسع مراكز البيانات، وأضخم النماذج اللغوية. وبهذا تتحول الاستثمارات إلى نوع من "حجز المقاعد" في قطار المستقبل، حتى وإن كانت العوائد مؤجلة.

رد الشركات: النتائج قادمة

ترد الشركات على الشكوك بالتأكيد أن النتائج المالية ستظهر تدريجيًا، حيث أعلنت مايكروسوفت عن تحقيق زيادة بنسبة 28% في عائدات Azure المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال الربع الأخير، فيما قالت أمازون إن AWS بدأت تجني ثمار خدمات الذكاء الاصطناعي الجديدة.

كما تشير بيانات Alphabet إلى أن نموذج Gemini بدأ يحصد نتائج إيجابية في خدمات Google Workspace، مع تزايد الاعتماد عليه في الكتابة والبحث وتحسين الإنتاجية.

الختام: رهان محفوف بالتحديات

في نهاية المطاف، يبدو أن معركة الذكاء الاصطناعي تدور في مستويين: مستوى الاستحواذ على الأسواق المستقبلية، ومستوى إقناع المستثمرين بأن الأموال التي تُضخ اليوم ستترجم إلى مكاسب ملموسة لاحقًا. وبينما يواصل عمالقة التكنولوجيا ضخ المليارات، يبقى السؤال الأهم: من سيربح في نهاية هذا السباق، وما الثمن الحقيقي لهذا الرهان الجريء؟