القادة في مجموعة العشرين يدرجون مشكلة الأمن الغذائي ضمن أولوياتهم خلال قمتَي ريو دي جانيرو 2024 وجوهانسبرغ 2025

الأمن الغذائي في صدارة أجندة قادة مجموعة العشرين خلال قمتي ريو 2024 وجوهانسبرغ 2025

في ظل التحديات العالمية المتزايدة، ومع تصاعد معدلات الجوع وانعدام الأمن الغذائي في عدد من مناطق العالم، فرض ملف "الأمن الغذائي" نفسه كأولوية مركزية على جدول أعمال قادة مجموعة العشرين في قمتي ريو دي جانيرو 2024 وجوهانسبرغ 2025. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الجوانب الإنسانية فقط، بل بات مرتبطًا بشكل وثيق بالاستقرار السياسي، والأمن العالمي، والتنمية الاقتصادية الشاملة.

أزمة الغذاء العالمية... من خلفية ظرفية إلى أولوية دائمة

شهد العالم خلال الأعوام الأخيرة أزمات متتالية كان لها تأثير كبير على سلاسل الإمداد الغذائي. فبين تداعيات جائحة كوفيد-19، وتغير المناخ، والنزاعات المسلحة – وعلى رأسها الحړب الروسية الأوكرانية – ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل غير مسبوق، وانخفضت إنتاجية الزراعة في مناطق عدة، كما زادت هشاشة النظم الغذائية في البلدان الفقيرة والمتوسطة الدخل.

هذه التطورات جعلت من الأمن الغذائي ملفًا عالميًا يتجاوز الإطار المحلي أو الإقليمي، وهو ما دفع قادة الدول الكبرى، عبر مجموعة العشرين، إلى إدراجه ضمن أهم الأولويات الاستراتيجية التي يجب معالجتها بتعاون دولي فعّال، ومستدام، وواسع النطاق.

قمة ريو 2024: البرازيل تطلق تحالفًا عالميًا لمكافحة الجوع

خلال انعقاد قمة مجموعة العشرين في نوفمبر 2024 بمدينة ريو دي جانيرو، التي استضافتها البرازيل، تبنّى الزعماء المجتمعون أجندة طموحة تضع الأمن الغذائي في قلب السياسات العالمية. المبادرة الأبرز تمثلت في إطلاق "تحالف عالمي لمكافحة الجوع والفقر"، وهي خطوة وصفت بالتحولية في سياق الجهود الدولية لإنهاء الجوع المزمن.

هذا التحالف ضم أكثر من 80 دولة ومنظمة في بدايته، وارتفع عدد المشاركين فيه لاحقًا إلى ما يزيد عن 140 جهة تشمل حكومات، مؤسسات تمويل دولية، منظمات مجتمع مدني، وممثلين عن المجتمعات المحلية. وقد استند التحالف إلى رؤية شمولية تجمع بين التمويل المستدام، تعزيز الإنتاج المحلي، تطوير التقنيات الزراعية، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد الغذائية.

وتعهدت دول مجموعة العشرين بدعم هذه المبادرة، ليس فقط عبر الإعلانات السياسية، بل من خلال مساهمات مالية فعلية، ودعم مؤسسي، وشراكات طويلة الأمد. ومن أبرز آليات التنفيذ التي جرى الحديث عنها في القمة: توجيه استثمارات مباشرة لصغار المزارعين، دعم برامج التغذية المدرسية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر هشاشة.

وفي البيان الختامي، أكّد قادة المجموعة على أن "الحق في الغذاء هو حق إنساني أساسي"، وأنه يجب "ضمان توفر الغذاء الكافي والمغذي والآمن للجميع، دون تمييز أو تأخير". كما شددوا على أهمية "إصلاح النظم الغذائية الزراعية لتكون أكثر مرونة وشمولًا وعدالة".

قمة جوهانسبرغ 2025: جنوب أفريقيا تستكمل المسار وتربط الغذاء بالتنمية والعدالة

مع بداية عام 2025، تسلمت جنوب أفريقيا رئاسة مجموعة العشرين، لتكون أول دولة أفريقية تقود هذا المحفل العالمي خلال العقد الأخير. ومنذ الشهور الأولى لرئاستها، أكدت جنوب أفريقيا التزامها باستكمال المبادرات التي انطلقت في قمة ريو، خصوصًا في ما يتعلق بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة في الجنوب العالمي.

وقد شملت الأجندة الرسمية لرئاسة جوهانسبرغ 2025 ستة محاور رئيسية، جاء على رأسها محور "تعزيز نظم غذائية شاملة وعادلة"، والذي ركز على معالجة الفجوة بين الشمال والجنوب في الوصول إلى الموارد الزراعية والتكنولوجيا، والحد من اعتماد الدول النامية على واردات غذائية مكلفة وغير مستدامة.

كما أكدت المداولات التي جرت على هامش اجتماعات مجموعة العمل الخاصة بالأمن الغذائي أن القمة المقبلة في جوهانسبرغ ستصدر "خارطة طريق تنفيذية" تعزز من قدرات الدول على بناء نظم غذائية مرنة أمام الصدمات المناخية والاقتصادية.

الدعم المؤسسي: دور منظمة الأغذية والزراعة ومراكز البحوث الدولية

إلى جانب التحركات السياسية، لعبت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) دورًا محوريًا في صياغة التوصيات الفنية وتقديم البيانات العلمية خلال الاجتماعات التحضيرية للقمتين. وقد شدد المدير العام للمنظمة، خلال خطابه في فبراير 2025 أمام وزراء خارجية دول مجموعة العشرين، على أن "تحقيق الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن تحقيق السلام والاستقرار، وأن الجوع هو أحد أكبر عوامل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي".

وأكدت FAO أن هناك ما يقرب من 2.3 مليار شخص على كوكب الأرض يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، وأن 45 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من الهزال، وهو الشكل الأكثر فتكًا من سوء التغذية. لذلك، فإن التحرك العالمي لا يمكن أن يتأخر أكثر من ذلك.

إضافة إلى ذلك، قدّمت المنظمات البحثية المتخصصة – مثل المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) – تحليلات بيانية واقتراحات واقعية لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، خاصة فيما يتعلق بتسهيل الوصول إلى التمويل الأخضر في القطاع الزراعي، وتشجيع الممارسات الزراعية المستدامة.

من التوصيات إلى التنفيذ: تحديات وآفاق مستقبلية

رغم الإجماع الدولي على أهمية ملف الأمن الغذائي، إلا أن التحدي الأكبر يظل في آلية تحويل التوصيات والبيانات السياسية إلى برامج تنفيذية ملموسة. فغياب آليات رقابة فعالة، والبيروقراطية في بعض الدول، ونقص التمويل في حالات أخرى، قد تعرقل التقدم المنشود.

كما أن استمرار النزاعات المسلحة، والتغيرات المناخية المتطرفة، والتفاوت في السياسات الوطنية الزراعية، يزيد من صعوبة تحقيق أهداف التحالف العالمي لمكافحة الجوع في المدى القصير.

مع ذلك، فإن اعتماد ملف الغذاء كأولوية مستمرة في قمم G20 يمثل خطوة استراتيجية كبيرة، خاصة إذا ما تم ربطه بملفات أخرى مثل التعليم، والصحة، والتمكين الاقتصادي، والحوكمة.

خاتمة

ما بين ريو وجوهانسبرغ، تُرسم ملامح جيل جديد من السياسات الغذائية العالمية، يتجاوز الحلول المؤقتة والمساعدات الظرفية، إلى بناء شبكات مستدامة من الإنتاج والاستهلاك، تكفل العدالة، وتحمي الأجيال القادمة من تكرار الأزمات.

وفي عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحديات متشابكة، يُظهر التوافق الدولي حول الأمن الغذائي أن المجتمعات الإنسانية قادرة على توحيد الجهود حين تكون الحاجة ملحّة. وتبقى السنوات القادمة هي الاختبار الحقيقي لمدى صدق الالتزام، وفعالية القرارات التي وُضعت على الورق.