فريق علمي دولي بقيادة جامعتَي دورهام ونيوكاسل يعلن عن اكتشاف منظر طبيعي قديم تحت غطاء جليدي شرق القارة القطبية

اكتشاف علمي رائد: منظر طبيعي نهرِي قديم مدفون تحت جليد شرق القارة القطبية الجنوبية

أعلن فريق علمي دولي بقيادة جامعتي دورهام ونيوكاسل في بريطانيا عن كشف مثير يتعلق بتاريخ الأرض وتطور المناخ، حيث تم رصد تضاريس طبيعية نهرية قديمة تحت أغطية الجليد الضخمة في شرق القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا). يمثل هذا الاكتشاف نقلة نوعية في فهم العلماء لتطور القارة وما كانت عليه قبل ملايين السنين، ويُعد من أهم الإنجازات العلمية المتعلقة بالمناخ والجيولوجيا في العقد الأخير.

خلفية البحث وطريقته

يقع الموقع المكتشف بين منطقتي Princess Elizabeth Land وGeorge V Land في شرق أنتاركتيكا، وهي منطقة ذات تضاريس غير معروفة نسبيًا بسبب سماكة الثلوج والجليد التي تصل إلى عدة كيلومترات، ما يجعل من الصعب جدًا دراسة السطح الأرضي بواسطة وسائل المسح التقليدية.

للتغلب على هذه العقبة، استخدم الفريق تقنية الرادار المخترق للجليد (Ice-Penetrating Radar)، وهي تقنية تسمح بإرسال موجات رادارية عبر طبقات الجليد وسبر ما تحتها. تم تركيب هذه الأجهزة على طائرات من نوع Twin Otter تابعة لمؤسسة البحث القطبي البريطاني (British Antarctic Survey)، حيث قامت بجولات مسحية مكثفة على مدى عدة أشهر، مكنت العلماء من رسم خرائط دقيقة لتضاريس ما تحت الجليد.

وصف المناظر الطبيعية المكتشفة

أظهرت نتائج المسح أن هناك مساحات شاسعة من الأراضي تحت الجليد تتميز بسطوح نهرية ومستوية، إضافة إلى شبكة معقدة من الأودية التي كانت، قبل ملايين السنين، جزءًا من نظام نهري ضخم. تشير التقديرات إلى أن هذه التضاريس تعود إلى فترة ما بين 80 إلى 34 مليون سنة، أي قبل تشكل الغطاء الجليدي الحالي، عندما كانت أنتاركتيكا جزءًا من القارة العملاقة غوندوانا (Gondwana) وكانت ذات مناخ أكثر اعتدالًا وربما قابلة للحياة النباتية والحيوانية.

تُظهر الخرائط المرسومة أن حوالي 40% من المنطقة التي جرى مسحها تتميز بأسطح مسطحة، يُعتقد أنها كانت قيعان أنهار كبيرة كانت تصب في المحيطات القديمة، إلى جانب وجود أخاديد عميقة تحوي تدفقات جليدية أسرع. هذه الفروق الطبوغرافية أساسية لفهم كيفية تحرك الجليد في المنطقة اليوم.

الأهمية العلمية للاكتشاف

فهم التغيرات المناخية التاريخية

يقدم الاكتشاف نافذة فريدة إلى عالم ما قبل العصر الجليدي في أنتاركتيكا، إذ يؤكد أن القارة كانت في السابق خالية من الجليد، وربما كانت موطنًا لأنظمة بيئية معقدة. هذا يتيح للعلماء دراسة التغيرات المناخية الكبرى التي حدثت على مدى ملايين السنين وكيفية انتقال الأرض من مناخ دافئ إلى مناخ بارد شديد.

تحسين توقعات المستقبل المناخي

تمثل التضاريس المكتشفة عناصر حاسمة في ديناميكية الجليد الحالي، حيث تعمل المناطق المسطحة كعقبات تبطئ حركة الأنهار الجليدية، بينما تسهل الأخاديد الجليدية تدفق الجليد بسرعة أكبر. إدخال هذه البيانات التفصيلية في النماذج المناخية سيساعد العلماء على توقع مدى سرعة ذوبان الجليد وتأثير ذلك على ارتفاع مستويات البحار العالمية، وهو أمر حيوي لتخطيط السياسات المناخية العالمية.

دور هذه التضاريس في استقرار الغطاء الجليدي

يعتقد العلماء أن وجود هذه التضاريس القديمة يساعد في تثبيت غطاء الجليد عبر تقليل سرعة انزلاقه، وبالتالي يبطئ من وتيرة الذوبان التي تحدث نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. هذا الاكتشاف يدعم فكرة أن الطبقات الجليدية قد تكون أكثر استقرارًا مما كان يُعتقد سابقًا، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على الحاجة لمراقبة التغيرات الطبوغرافية بدقة لفهم مستقبل القطب الجنوبي.

آراء الخبراء

قال الدكتور غاي باكسيمان، الباحث الرئيسي من جامعة دورهام، إن هذا الاكتشاف يعد "فتحًا علميًا هامًا" يضع شرق أنتاركتيكا في قائمة الأماكن ذات الأهمية الكبرى لدراسات تغير المناخ. وأضاف: "لقد كانت هذه التضاريس مخفية تحت الجليد لعقود، وكانت الأسئلة حول تاريخ القارة تطفو على السطح فقط. اليوم، مع هذه البيانات الجديدة، يمكننا إعادة كتابة فصول هامة من تاريخ الأرض".

من جهته، أشار الأستاذ نيل روس من جامعة نيوكاسل إلى أن هذا العمل يمهد الطريق لفهم أفضل لكيفية تفاعل الأرض مع عوامل الاحتباس الحراري الحالية. وقال: "لدينا الآن القدرة على استكشاف التاريخ الجيولوجي بطريقة لم تكن ممكنة من قبل، وهذا سيمكننا من اتخاذ قرارات أفضل حول حماية كوكبنا".

الخطوات القادمة والتطلعات المستقبلية

يخطط الفريق البحثي لإجراء حفرات عميقة في المناطق المكتشفة لاستخراج عينات من الصخور والرسوبيات تحت الجليد. هذه العينات ستزود العلماء ببيانات دقيقة حول عمر التضاريس وظروف البيئة في الماضي، ما سيساعد في تعزيز الدراسات المناخية وربطها بالتغيرات البيئية والتطورات البيولوجية القديمة.

كما يسعى الفريق إلى توسيع نطاق المسح ليشمل مناطق أوسع في القارة القطبية الجنوبية، لفهم مدى انتشار هذه التضاريس ومدى تأثيرها في الاستقرار الجليدي العام.

أهمية الاكتشاف للعالم

يأتي هذا الكشف في وقت يشهد فيه العالم تغيرات مناخية سريعة وغير مسبوقة، ويُعد مصدرًا هامًا للمعرفة العلمية التي تساعد في توجيه السياسات البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما يؤكد أهمية الاستثمار في البحث العلمي والتقنيات المتقدمة لفهم كوكبنا بشكل أفضل.