منظمة الصحة العالمية تدعو إلى زيادة الاستثمار العالمي في الصحة النفسية لمواجهة أزمة قلق ما بعد الجائحة

منظمة الصحة العالمية تحذر من "أزمة القلق" بعد الجائحة وتدعو لزيادة الاستثمار في الصحة النفسية

أطلقت منظمة الصحة العالمية نداءً حاسمًا إلى قادة العالم، يحثّونه على مضاعفة اهتمامهم وسياساتهم تجاه الصحة النفسية، معتبرة أن المجتمع الدولي يواجه أزمة قلق واكتئاب منسية ما بعد كوفيد-19، تتطلب استثمارات عاجلة ومتسقة عبر الأنظمة الصحية والمجتمعية.

ارتفاع مذهل في اضطرابات القلق والاكتئاب

في أولى خطوات التنبيه، أكدت المنظمة أن انتشار الاكتئاب والقلق ارتفع بنسبة 25٪ على الأقل في العام الأول من الجائحة وحده. ومؤسسة المعطيات أبرزت أن المراهقين والنساء كانوا الفئة الأكثر تأثرًا، مع تسجيل معدلات مرتفعة من الضغط النفسي والعزلة.

الأمر لا يقتصر على الجائحة فقط: وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية في عام 2019، فإن نحو 1 من كل 8 أفراد يعاني من اضطراب نفسي كمزمن أو متقطع.

الخدمات النفسية تحت الضغط والعجز

على الرغم من الارتفاع الحاد في الحاجة إلى الدعم النفسي، فإن الإنفاق العالمي على الصحة العقلية ظل منخفضًا للغاية—أقل من 2٪ من ميزانيات الصحة العامة في كثير من الدول. وبينما تذهب غالبية هذه الأموال إلى المستشفيات النفسية التقليدية، تعاني المجتمعات من نقص حاد في الخدمات المجتمعية المدعومة والوقائية.

في العديد من البلدان، يعيش الملايين بدون وصول لأخصائي نفسي أو طبيب نفسي، بينما تتحدث المصادر بأن أكثر من 70٪ من الذين يعانون من الذهان لا يحصلون على أي علاج.

دعوة ملموسة: الـ WHO توجه خطة شاملة

في تقريرها الأخير، وضعت منظمة الصحة العالمية خارطة طريق حادة ثلاثية الأركان:

تعزيز الالتزام السياسي عبر رفع مكانة الصحة النفسية ضمن السياسات وتطوير برامج تُدمج الخدمة النفسية في مراحل المدرسة والعمل والسجون.

تحسين البيئات الحاضنة داخل المجتمعات وزيادة الدعم الاجتماعي للأطفال والأسر، وتشمل الحد من العڼف والتنشئة الصحية.

لماذا يجب المضادفة والتعجيل بالاستثمار؟

العودة الاقتصادية والاجتماعية: تُشير دراسات إلى أن كل دولار يُستثمر في علاج القلق والاكتئاب يمكن أن يحقق حوالي 4 دولارات عائدًا اقتصاديًا من خلال زيادة الإنتاجية وتقليل غياب العمل.

الآثار طويلة الأمد على الشباب: أثبتت دراسات أن الجائحة سبّبت ضغطًا نفسيًا وسلوكيًا واضحًا لدى المراهقين، ولا يزال تأثير ذلك ينعكس في اضطرابات النمو والسلوك وتأخر الارتياح الذهني.

التفاوت في الوصول للخدمات: في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، يُعزّز فجوة الخدمات بين الطبقات المجتمعية، ما يجعل الاستثمار في إلكترونية واستراتيجيات الوقاية أمرًا لا غنى عنه.

نماذج ناشئة تُعطي أملاً

في لندن، أُطلق مركز Arc للأطفال والمراهقين بتصميم مريح وغير تقليدي يوفر دعمًا نفسيًا يوميًا من دون الدخول في نظام المستشفيات التقليدي—نموذج يهدف لمنع التحوّل إلى أزمات نفسية حادة. ويتم حاليًا تقييم تأثيره عبر باحثين من Imperial College London.

منظمات دولية أخرى تسعى لإدخال الصحة النفسية ضمن نظام الرعاية الأساسية للرضع والأمهات عبر برامج تجمع بين الرعاية الاجتماعية والنفسية كمثلاً التي تم تمويلها ضمن NHS في المملكة المتحدة.

الأثر وراء عددٍ من القضايا الأساسية

الوضع في أوروبا: تقرير صادر عن Z Zurich Foundation يشير إلى أن أكثر من 1 من 6 شباب يعانون مشاكل نفسية، و49٪ ذكروا عدم تلقي الرعاية اللازمة، مع حاجة واضحة لمشروعات تمهيدية وإعادة هيكلة السياسات الصحية والتعليمية.

الرؤية من مؤسسة Lancet Psychiatry Commission: سلطت الضوء على التفاقم المستمر في أمراض نفسية بين الشباب، خصوصًا الفتيات، مع تخلف الاستثمار العالمي عن حجم العبء النفسي عليهم. تحتاج النظم الصحية لإعادة النظر لتشخيص شامل واستجابة فورية.

توصيات منظمة الصحة العالمية المستقبلية

توصيات منظمة الصحة العالمية تذهب إلى أبعد من مجرد تخصيص الأموال؛ بل تطالب بـ:

دمج الصحة العقلية في السياسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.

دعم المجتمعات المحلية والقطاع المدني في تقديم خدمات مألوفة وملموسة.

إشراك الأشخاص الذين لديهم خبرة مباشرة مع المړض النفسي في التخطيط ووضع الخطط.

تعزيز الرقابة على الحقوق ووقف التمييز ضد المرضى النفسيين.

خاتمة: الاستثمار الصحي النفسي ضرورة استراتيجية لا تأجيل لها

بعد الجائحة، بات واضحًا أن الأثر النفسي لا يقل خطرًا عن الفيروس نفسه. 

منظمة الصحة العالمية لا تتحدث هنا عن رفاهية، بل عن حق أساسي؛ عن ضرورة أن تستعيد المجتمعات توازنها العقلي لتنهض بنوعيّة حياة أفضل. إذا لم يُسارع العالم للاستجابة لهذا النداء، فإن مجتمع القلق سينمو، وستتضخم الفجوات الصحية والاقتصادية والاجتماعية.