منظمة الصحة العالمية تحذر من ارتفاع معدلات السمنة لدى الأطفال والمراهقين وتدعو إلى فرض قيود على تسويق الأطعمة غير الصحية

منظمة الصحة العالمية تُطلق تحذيرًا عالميًا: السمنة بين الأطفال والمراهقين بلغت مستويات خطېرة وتتطلب تحركًا عاجلًا

في بيان جديد يحمل نبرة قلق واضحة، حذّرت منظمة الصحة العالمية (WHO) من الارتفاع الحاد في معدلات السمنة بين الأطفال والمراهقين حول العالم، مؤكدة أن هذه الظاهرة أصبحت تمثل تهديدًا متزايدًا للصحة العامة وتستلزم استجابة فورية وشاملة من الحكومات والمجتمعات الدولية.

وفقًا للتقرير الصادر عن المنظمة بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإن عدد الأطفال والمراهقين الذين يعانون من السمنة قد تضاعف ثلاث مرات تقريبًا منذ عام 1990، في مشهد وصفته المنظمة بـ"المقلق وغير المسبوق". وتشير البيانات إلى أن ما يقرب من 39 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من زيادة في الوزن أو السمنة حول العالم، في حين يتجاوز عدد المراهقين المتأثرين بالسمنة 340 مليونًا.

عوامل متعددة وراء الظاهرة

أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن أسباب تفشي السمنة بين صغار السن لا تقتصر على عامل واحد، بل تتداخل فيها مجموعة من العوامل البيئية والاجتماعية والاقتصادية. أبرز هذه العوامل هو الانتشار المتزايد للأطعمة والمشروبات عالية السعرات ومنخفضة القيمة الغذائية، وسهولة الوصول إليها في المدارس والمنازل، إضافة إلى أساليب التسويق المكثفة التي تستهدف الأطفال والمراهقين عبر المنصات الرقمية والتلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما لفتت المنظمة إلى تراجع النشاط البدني بشكل كبير في صفوف الأطفال، بسبب تغير أنماط الحياة، والاعتماد المتزايد على الأجهزة الإلكترونية، وغياب المساحات المخصصة للعب والنشاط الرياضي، لا سيما في البيئات الحضرية.

عواقب صحية ونفسية واقتصادية

وأكدت المنظمة أن السمنة في مراحل الطفولة لا تقتصر تداعياتها على المظهر الجسدي فقط، بل تمثل عامل خطړ رئيسي للإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الډم، وأمراض القلب، بل وحتى بعض أنواع السړطان في وقت لاحق من الحياة. وإلى جانب الأعباء الصحية، تتسبب السمنة أيضًا في تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال، مثل فقدان الثقة بالنفس، وتعرضهم للتنمر، والانطواء الاجتماعي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار خبراء الصحة العامة إلى أن النفقات المرتبطة بعلاج الأمراض الناتجة عن السمنة تُشكل عبئًا متزايدًا على نظم الرعاية الصحية، كما تقلل من الإنتاجية المستقبلية للشباب في سوق العمل.

دعوة لفرض قيود صارمة على تسويق الأطعمة غير الصحية

في ضوء هذه التحديات، دعت منظمة الصحة العالمية الدول الأعضاء إلى تبني سياسات أكثر حزمًا للحد من تعرض الأطفال للتسويق المضلل للأطعمة الغنية بالدهون والسكريات والملح. وطالبت بفرض لوائح قانونية صارمة تُقيّد الإعلان عن هذه المنتجات في الوسائل الإعلامية الموجهة للأطفال، بما يشمل القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية.

كما شددت المنظمة على أهمية تعزيز البيئة المدرسية والغذائية لتشجيع خيارات صحية، ودعم السياسات الوطنية التي تشجع التغذية السليمة والنشاط البدني منذ الصغر. وأكدت على ضرورة إشراك العائلات والمجتمعات المحلية في التوعية بأهمية اتباع نمط حياة صحي، بما في ذلك إعداد وجبات منزلية متوازنة، وتقنين استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتحفيز الأطفال على الحركة والرياضة.

جهود قائمة وتوصيات للمستقبل

ورغم الصورة القاتمة، أشار التقرير إلى بعض النماذج الإيجابية في دول اتخذت خطوات ملموسة لمواجهة السمنة بين الأطفال، مثل فرض ضرائب على المشروبات المحلاة بالسكر، وتطبيق معايير صحية صارمة في وجبات المدارس، وإطلاق حملات توعية وطنية تهدف لتغيير السلوكيات الغذائية.

في المقابل، شددت منظمة الصحة العالمية على أن هذه الجهود، وإن كانت واعدة، تظل غير كافية ما لم يتم تبني استجابة عالمية منسقة، تضع صحة الأطفال في قلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وأوصت بتخصيص تمويل أكبر للبرامج المعنية بالتغذية والنشاط البدني، وتطوير أدوات قياس دقيقة لرصد السمنة ومسبباتها في مختلف البيئات.

خاتمة

يبقى التحدي الأكبر في كيفية خلق بيئة عالمية تساعد الأطفال على النمو في ظروف صحية، بعيدًا عن التأثيرات التجارية والمغريات الغذائية التي تحيط بهم في كل مكان. فالسمنة في الطفولة ليست خيارًا فرديًا، بل انعكاس لسياسات مجتمعية واسعة تتطلب مراجعة جذرية، كما تؤكد منظمة الصحة العالمية.