منظمة الصحة العالمية تدعو إلى اليقظة بعد رصد سلالات من الملاريا مقاومة للأدوية في أفريقيا

منظمة الصحة العالمية تُحذر: سلالات مقاومة من الملاريا تهدد أفريقيا وتستدعي استنفارًا عالميًا

أطلقت منظمة الصحة العالمية (WHO) تحذيرًا رسميًا دعت فيه إلى تعزيز المراقبة واليقظة الصحية بعد رصد انتشار سلالات من طفيلي الملاريا المقاوم للأدوية في عدد من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وهي المنطقة التي تتحمل العبء الأكبر من حالات الإصابة والۏفيات بسبب هذا المړض القاټل.

الملاريا تعود بوجه أكثر شراسة

تعد الملاريا من أخطر الأمراض المعدية التي تصيب البشر، حيث تنتقل عن طريق لسعات بعوض الأنوفيلة الحامل لطفيلي Plasmodium. ومع أن التقدم الطبي والتوسع في استخدام الأدوية والعلاجات الوقائية قد ساهم في تقليص عدد الۏفيات بنسبة كبيرة خلال العقدين الماضيين، إلا أن عودة ظهور سلالات مقاومة للعلاج تثير قلق المجتمع الدولي، خصوصًا في ظل هشاشة الأنظمة الصحية في بعض الدول المتأثرة.

أفادت المنظمة أن حالات الإصابة بطفيلي Plasmodium falciparum المقاوم للدواء المعروف باسم "أرتيميسينين" (الركيزة الأساسية لعلاج الملاريا الحديثة) بدأت بالظهور في كل من أوغندا ورواندا وتنزانيا، وهي دول شهدت سابقًا نجاحًا ملحوظًا في الحد من تفشي المړض.

تحذيرات علمية ومخاۏف من انتشار أوسع

قالت الدكتورة ماريان جيليبراند، رئيسة قسم الأمراض المدارية في منظمة الصحة العالمية، إن ظهور مقاومة متزايدة لدى الطفيلي تجاه الأدوية يضعف فاعلية البروتوكولات العلاجية المعتمدة عالميًا. وأوضحت في مؤتمر صحفي أن "المؤشرات الميدانية والاختبارات الجينية أظهرت وجود طفرات لدى الطفيلي تمنحه قدرة على مقاومة الأرتيميسينين ومشتقاته، ما ېهدد بخسارة واحدة من أهم أدواتنا العلاجية."

وأكدت المنظمة أن هذه السلالات المقاومة قد ظهرت سابقًا في منطقة جنوب شرق آسيا، لكن انتقالها الآن إلى أفريقيا يُنذر بأزمة صحية محتملة، خاصة أن 95% من حالات الملاريا العالمية و96% من الۏفيات سُجلت في القارة الأفريقية، وفقًا لتقرير الملاريا العالمي لعام 2023.

ضعف الأنظمة الصحية يعمّق الأزمة

تشير التقارير الطبية إلى أن هشاشة أنظمة الرعاية الصحية في بعض الدول الأفريقية تُعد من أبرز العوامل التي قد تسمح بانتشار هذه السلالات المقاومة بسرعة. كما يعاني عدد من تلك الدول من نقص حاد في أدوات التشخيص، ومحدودية الوصول إلى العلاجات المتقدمة، ما يجعل من الصعب رصد السلالات الجديدة في مراحلها المبكرة.

في هذا السياق، شددت منظمة الصحة العالمية على ضرورة تكثيف جهود الرصد الجيني للطفيلي عبر إنشاء وحدات متخصصة في التحليل الجزيئي داخل المختبرات الوطنية. كما دعت الدول إلى توفير تدريب عاجل للكوادر الطبية والمخبرية حول تقنيات التشخيص الحديثة والاستجابة السريعة.

دعوة للتحرك العالمي

وفي رسالة مفتوحة إلى المجتمع الدولي، دعت منظمة الصحة العالمية الحكومات والجهات المانحة إلى زيادة التمويل المخصص لمكافحة الملاريا، مشيرة إلى أن مكافحة السلالات المقاومة تحتاج إلى تدخلات مكلفة تشمل تطوير أدوية جديدة، وتعزيز نظم المراقبة، ودعم برامج التوعية المجتمعية.

من جانبها، أعلنت "مبادرة القضاء على الملاريا" التابعة لمؤسسة بيل وميليندا غيتس أنها ستخصص تمويلًا إضافيًا يقدر بـ150 مليون دولار لدعم مشاريع الأبحاث الجينية في أفريقيا، مع التركيز على تتبع تحورات الطفيلي وتقييم فعالية الأدوية البديلة.

حلول طبية بديلة قيد التطوير

أشارت بعض الدراسات إلى إمكانية الاعتماد على توليفات دوائية جديدة تجمع بين أكثر من عنصر علاجي للحد من مقاومة الطفيلي، كما يجري العمل على تطوير لقاحات حديثة من الجيل الثاني أكثر فاعلية من لقاح "RTS,S" الذي أُقر استخدامه مؤخرًا.

وفي هذا الإطار، أكدت شركة "غلاكسو سميث كلاين" (GSK)، المطورة للقاح الأول، أنها بصدد اختبار تركيبة محسنة بالتعاون مع معهد "ويلكم تراست" في كينيا وغانا. كما يجري العمل على تطوير لقاح جديد يُعرف باسم "R21/Matrix-M"، أثبت فاعلية أولية بنسبة تتجاوز 75% في التجارب السريرية المبكرة.

المجتمعات المحلية في قلب المواجهة

تظل الوقاية المجتمعية أحد الأعمدة الأساسية في مواجهة خطړ الملاريا، حيث أكدت المنظمة على أهمية تعزيز برامج التثقيف الصحي، وتوزيع الناموسيات المعالجة بالمبيدات، وتشجيع السكان في المناطق الريفية على تبليغ السلطات الصحية عن أي أعراض مشتبه بها.

كما تعمل عدة منظمات غير حكومية، مثل "أطباء بلا حدود" و"الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا"، على دعم حملات التوعية وتوفير العلاجات الأولية في المناطق النائية التي تعاني من ضعف البنية التحتية الصحية.

خاتمة: سباق مع الزمن

إن التحذير الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية ليس مجرد نداء تقني بل إنذار عالمي بضرورة التحرك السريع لمنع حدوث کاړثة صحية على نطاق واسع. فظهور سلالات الملاريا المقاومة في أفريقيا ېهدد بنسف عقود من التقدم الذي تحقق في مجال مكافحة هذا المړض، ويفرض تحديات علمية وإنسانية جديدة في زمن ما بعد الجائحة.

لا يملك العالم ترف الانتظار، وعلى الجهات المعنية أن تتحرك الآن لحماية ملايين الأرواح، خاصة في المناطق الأشد فقرًا والأكثر عرضة للخطړ.