علماء مواد يطورون خرسانة حية قادرة على إصلاح شقوقها ذاتيًا باستخدام البكتيريا مما قد يغير مستقبل البناء

"ثورة في عالم البناء: خرسانة حية تُصلح نفسها ذاتيًا بالبكتيريا.. هل ودّعنا التصدعات إلى الأبد؟"

في تطور قد يُحدث تحولًا جوهريًا في قطاع الإنشاءات حول العالم، نجح فريق من العلماء في تطوير نوع جديد من الخرسانة "الذكية" تمتاز بقدرتها على إصلاح التشققات بشكل ذاتي بفضل نوع خاص من البكتيريا. هذه المادة الثورية، التي توصف بـ"الخرسانة الحية"، تُعدّ واحدة من أبرز الابتكارات في مجال مواد البناء المستدامة خلال العقد الأخير، وقد تم اختبارها بنجاح في عدة بيئات تحاكي الظروف الواقعية للبناء.

آلية العمل: حين تتكفّل البكتيريا بأعمال الترميم

تعتمد هذه الخرسانة الحيوية على دمج بكتيريا من نوع Bacillus داخل المادة الإسمنتية، إلى جانب مركبات مغذية مثل لاكتات الكالسيوم. تظل البكتيريا في حالة سبات داخل الخرسانة حتى يحدث تشقق أو تسرب للماء، فينشط الكائن المجهري ويبدأ في التفاعل مع الكالسيوم والماء لإنتاج كربونات الكالسيوم، وهي المادة نفسها التي تُكوّن الحجر الجيري. هذا الترسيب المعدني يعمل على سد الشقوق تلقائيًا، دون الحاجة لتدخل بشړي.

المذهل في هذه التقنية ليس فقط أنها تُصلح الخرسانة، بل إنها تفعل ذلك بسرعة مذهلة وبدقة قد تتفوق على طرق الترميم التقليدية، خصوصًا في الأماكن التي يصعب الوصول إليها مثل الأنفاق، الجسور، والمناطق النائية.

بداية القصة: من مختبرات الأبحاث إلى مشاريع البناء المستقبلية

بدأت فكرة "الخرسانة الحية" في جامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا، على يد فريق من الباحثين في قسم هندسة المواد. قاد الفريق البروفيسور هينك جونكرز، وهو عالم مواد حيوية، كان شغوفًا بإيجاد حلول عملية لمشكلة التصدعات الدقيقة في الخرسانة، التي تُعدّ سببًا رئيسيًا لاڼهيار الأبنية على المدى الطويل. بعد سنوات من التجريب والاختبار، توصل الفريق إلى مزيج فريد من الميكروبات والمعادن التي تجعل المادة قابلة للشفاء الذاتي.

وقال البروفيسور جونكرز في تصريح لإحدى الصحف العلمية: "هدفنا لم يكن فقط ابتكار خرسانة أقوى، بل خرسانة ذكية تتفاعل مع بيئتها وتتعافى من التلف دون مساعدة. وهذا يضعنا على أعتاب عصر جديد من مواد البناء الذكية والواعية".

تطبيقات واقعية وآفاق واعدة

تم بالفعل اختبار الخرسانة الحيوية في عدد من المشاريع التجريبية، منها ترميم الجدران الإسمنتية في هولندا وبعض مناطق جنوب أوروبا. النتائج الأولية أظهرت أن الشقوق بعمق يصل إلى 0.8 ملم قد أُغلقت تمامًا خلال أسابيع من تفعيل البكتيريا، مع تقليل كبير في نفاذية الماء والملوحة.

في الدول ذات المناخ الرطب أو الساحلي، حيث تعاني المنشآت من تسرب المياه وتآكل الحديد، قد تمثل هذه التقنية طفرة حقيقية في تقليل تكاليف الصيانة الدورية وزيادة عمر المباني. كما تُبشّر باعتمادها في البنية التحتية للمدن الذكية المستقبلية، لا سيما في الجسور والأنفاق والموانئ.

هل الخرسانة الحية صديقة للبيئة؟

في الوقت الذي تتعرض فيه صناعة البناء لانتقادات بسبب انبعاثات الكربون المرتفعة الناتجة عن إنتاج الإسمنت، يُمكن اعتبار الخرسانة الحية تقدمًا ملموسًا نحو الاستدامة. فعن طريق تقليل الحاجة إلى الإصلاحات المتكررة وإطالة عمر المنشآت، تُقلل هذه المادة من كمية المواد المستخدمة بمرور الوقت.

كما أن استخدام البكتيريا الطبيعية يفتح الباب أمام تقنيات بناء أكثر توافقًا مع البيئة، بل وربما أكثر أمانًا على البشر من بعض المواد الكيميائية المستخدمة حاليًا في المعالجات التقليدية للخرسانة.

التحديات التي تواجه الخرسانة الحية

رغم كل هذه المزايا، ما زالت هناك تحديات تقنية وتجارية تحول دون الاعتماد الشامل على هذه المادة الجديدة. من بين أبرز التحديات هو ارتفاع التكلفة الأولية مقارنة بالخرسانة العادية، وصعوبة التحكم بنسبة التفاعل البكتيري في بيئات متنوعة.

كذلك، فإن فعالية هذه البكتيريا تتأثر بدرجة الحرارة ودرجة الحموضة، ما يعني أن الظروف المناخية المختلفة قد تؤثر على أداء الخرسانة. لهذا، تواصل فرق البحث تطوير أنواع مختلفة من البكتيريا لتناسب الاستخدام في مناطق مختلفة من العالم.

الاستقبال العالمي والدعم الأكاديمي

لاقى هذا الابتكار اهتمامًا واسعًا من المؤسسات البحثية والهيئات المعمارية في أوروبا وآسيا، بل بدأت بعض الشركات الناشئة في تبني هذه التكنولوجيا تجاريًا، خاصة في هولندا والمملكة المتحدة وسنغافورة.

وفي هذا السياق، أشار تقرير نشرته مجلة Nature العلمية إلى أن "الخرسانة الحية قد تكون أول خطوة عملية نحو جيل جديد من مواد البناء الحيوية التي تتفاعل مع محيطها كما تفعل الكائنات الحية".

كما دعا مهندسون معماريون وخبراء بيئيون إلى دعم هذا النوع من الأبحاث لتقليل البصمة الكربونية للبناء وتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة، خصوصًا الهدف 9 المتعلق بالبنية التحتية، والهدف 11 المتعلق بالمدن المستدامة.

نظرة إلى المستقبل

إذا استمرت التجارب في النجاح، وتغلب الباحثون على تحديات الإنتاج والتكلفة، فقد تُصبح الخرسانة الحية جزءًا من البنية الأساسية للمستقبل. وربما نصل إلى مرحلة تبني "مبانٍ تتعافى ذاتيًا"، بما يُحدث ثورة في كيفية تخطيطنا وإنشائنا وصيانة منشآتنا.

كما يُتوقع أن تتفرع هذه التقنية إلى تطبيقات أخرى مثل الطرق الذكية، السدود القابلة للشفاء، وأساسات المباني المقاومة للزلازل.