اكتشاف ميكروبات قادرة على هضم المواد البلاستيكية في أعماق المحيط قد يفتح الباب أمام حلول بيولوجية لأزمة التلوث

ميكروبات المحيطات العميقة: أمل بيولوجي في وجه التلوث البلاستيكي العالمي

في وقت يتزايد فيه القلق العالمي من أزمة التلوث البلاستيكي، والتي تهدد النظم البيئية البحرية وتُعرض التنوع الحيوي البحري لخطړ غير مسبوق، برز خبر علمي لافت يُنبئ باحتمالات ثورية: اكتشاف أنواع من الميكروبات تعيش في أعماق المحيطات، قادرة على تحليل المواد البلاستيكية. هذا الاكتشاف قد يشكل خطوة حاسمة في مسار البحث عن حلول بيئية طويلة الأمد لأحد أخطر تحديات العصر.

خلفية المشكلة: المحيطات كبالوعة للبلاستيك

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يزيد عن 11 مليون طن من النفايات البلاستيكية تصل إلى المحيطات سنويًا، ويُتوقع أن تتضاعف هذه الكمية بحلول عام 2040 إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية. البلاستيك لا يتحلل بسهولة، بل يتفتت إلى جزيئات صغيرة تُعرف بالـ"ميكروبلاستيك"، تبتلعها الكائنات البحرية وقد تصل إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية.

هذه الکاړثة البيئية دفعت العلماء إلى البحث الحثيث عن حلول طبيعية لتفكيك هذه المواد، لا سيما من خلال الاستفادة من الكائنات الحية الدقيقة التي قد تكون طورت – عبر الانتقاء الطبيعي – قدرات على هضم البلاستيك باعتباره مادة طارئة على البيئة.

الاكتشاف: كائنات دقيقة تتغذى على البلاستيك

في دراسات حديثة، اكتشف فريق من الباحثين من جامعات أوروبية ومراكز أبحاث بحرية، أن بعض الكائنات المجهرية التي تعيش في أعماق المحيط، وخصوصًا في مناطق تقل فيها مستويات الأوكسجين وتكثر فيها النفايات الصناعية، قد طورت آليات بيولوجية لهضم البلاستيك.

من بين هذه الكائنات:

فطر بحري يُدعى Parengyodontium album، وُجد في المياه القريبة من سطح المحيط الهادئ، ويمتلك قدرة على تحليل مادة البولي إيثيلين، أحد أكثر أنواع البلاستيك استخدامًا. يقوم هذا الفطر بتحليل البلاستيك بنسبة ضئيلة يوميًا، تصل إلى نحو 0.05% عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية، ما يشير إلى تفاعل ضوئي بيولوجي مشترك.

بكتيريا أعماق البحار لا تكتفي بالالتصاق بالبلاستيك، بل تشكل مجتمعات ميكروبية تتبادل الإنزيمات وتتغذى على نواتج تفتت البلاستيك.

ماذا يعني هذا الاكتشاف علميًا وبيئيًا؟

هذا الكشف العلمي لا يعني أن هذه الكائنات تستطيع تنظيف المحيطات في الوقت الحالي، لكنه يثبت بشكل ميداني أن الطبيعة بدأت تتفاعل مع البلاستيك كعنصر دخيل وتسعى للتكيف معه. بعض الميكروبات، خاصة تلك التي تتعرض للبلاستيك باستمرار، طورت إنزيمات جديدة تسمح لها باستغلاله كمصدر للكربون.

التحديات أمام تحويل الاكتشاف إلى حل عملي

رغم أن الأمل موجود، إلا أن هناك عددًا من العقبات:

معدل التحلل البيولوجي لا يزال منخفضًا. المعدلات المسجلة بطيئة للغاية مقارنة بحجم التلوث الهائل المنتشر في المحيطات.

الاعتماد على ظروف محددة. بعض الكائنات تحتاج إلى ضوء، أو حرارة معينة، أو درجات حموضة خاصة لتفعيل نشاطها الإنزيمي.

احتمالية إنتاج نواتج ثانوية سامة أثناء عملية التحلل لم تُدرس بعد بشكل كامل.

صعوبة التكاثر الصناعي لهذه الكائنات في المختبرات، كونها معتادة على الضغط العالي وانعدام الضوء والأوكسجين.

خطوات قادمة للبحث العلمي

تحليل الشيفرات الوراثية لهذه الكائنات لاكتشاف الجينات المسؤولة عن إنتاج الإنزيمات الهاضمة للبلاستيك.

هندسة ميكروبات معدّلة وراثيًا تعمل بنفس الآلية ولكن في ظروف بيئية أبسط.

تصميم مفاعلات حيوية بحرية تحاكي أعماق المحيط وتُزرع فيها هذه الكائنات لتحلل النفايات البلاستيكية تدريجيًا.

استخدام الفطريات والبكتيريا في مشاريع تنظيف الشواطئ والمياه الساحلية كتجربة أولية قبل تعميمها على أعماق المحيطات.

الرؤية المستقبلية: نحو حل بيولوجي مستدام

إذا استطاع العلماء تحسين أداء هذه الميكروبات في ظروف طبيعية أو صناعية، فقد نكون أمام ثورة في مفهوم إدارة النفايات البحرية. إذ لن نحتاج إلى عمليات جمع البلاستيك من الأعماق، بل يمكن الاكتفاء بزرع مجتمعات ميكروبية مبرمجة بيولوجيًا قادرة على "أكله" وتحويله إلى مواد غير ضارة.

لكن حتى مع التفاؤل، يظل الحل البيولوجي جزءًا من منظومة أوسع تشمل تقليل الإنتاج، إعادة التدوير، حظر الاستخدام الأحادي للبلاستيك، وتغيير السلوكيات البشرية الاستهلاكية.

خاتمة

إن اكتشاف كائنات دقيقة في أعماق البحار قادرة على تحليل البلاستيك يمثل بارقة أمل واعدة في خضم أزمة التلوث التي تعصف بالمحيطات. صحيح أن الطريق لا يزال طويلاً لتحويل هذه الكائنات إلى أدوات بيئية فاعلة، لكن هذا الإنجاز يثبت أن الطبيعة، رغم كل ما نغمرها به من مخلفات، لا تزال تمتلك مفاتيح الإنقاذ – إن نحن أحسنا الاستماع إليها وفهم آلياتها.