باحثون يكتشفون طريقة جديدة لتحفيز نمو الخلايا العصبية باستخدام موجات ضوئية دقيقة، ما قد يفتح آفاقًا لعلاج أمراض دماغية مزمنة

باحثون يحققون اختراقًا في تحفيز نمو الخلايا العصبية باستخدام موجات ضوئية دقيقة: بصيص أمل لعلاج الأمراض الدماغية المزمنة

في إنجاز بحثي جديد يحمل وعودًا بعلاج أمراض عصبية استعصت على الطب الحديث، توصّل فريق من الباحثين في جامعة سول الوطنية بالتعاون مع معهد أبحاث الأعصاب في تورنتو إلى طريقة واعدة لتحفيز نمو الخلايا العصبية باستخدام موجات ضوئية دقيقة محددة الطول الموجي، وذلك في تجربة مخبرية نُشرت نتائجها في مايو 2025  .

الضوء كأداة تجديد عصبي

تكمن الفكرة في استخدام موجات ضوئية منخفضة الطاقة، ضمن نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة (بين 660 و808 نانومتر)، لتحفيز التمثيل الحيوي داخل الخلايا العصبية دون الحاجة إلى تدخل دوائي أو جراحي. وفقًا للفريق، تقوم هذه الموجات بتعزيز عمل الميتوكوندريا، مما يؤدي إلى زيادة إنتاج الـATP (العملة الطاقية للخلية)، وبالتالي تسريع عمليات ترميم المحاور العصبية وتعزيز التشابك العصبي.

نموذج تجريبي يعيد النشاط لمناطق متضررة في الدماغ

في التجربة الأهم ضمن الدراسة، استخدم الباحثون نماذج لفئران مصاپة بأعراض مماثلة للتنكس العصبي، حيث تم تعريض منطقة الحُصين – المسؤولة عن الذاكرة – إلى جلسات يومية من التحفيز الضوئي لمدة 15 دقيقة. النتائج أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في كثافة الخلايا العصبية الجديدة، إضافة إلى تحسن في الأداء المعرفي ضمن اختبارات التعلم. يقول الدكتور كيم جي هون، المشرف على الدراسة: "ما لمسناه ليس فقط مؤشرات على تحفيز النمو العصبي، بل تغيّرات وظيفية على مستوى السلوك، وهو ما كنا نسعى لإثباته منذ سنوات".

علاج غير جراحي بآفاق أوسع مما يُظن

الميزة الكبرى في هذه المقاربة أنها لا تتطلب تدخلًا داخليًا في الدماغ، بل تعتمد على تسليط الضوء عبر الجمجمة باستخدام أجهزة غير باضعة يمكن ارتداؤها. من الناحية التقنية، يعتمد الجهاز التجريبي على تقنية تعديل شعاع الليزر منخفض الطاقة بدقة نانوية لضمان تركيز التأثير في الطبقات العميقة من القشرة الدماغية دون إحداث حرارة أو ضرر في الأنسجة المحيطة.

تطبيقات محتملة تتجاوز ألزهايمر

في حين ركّزت الدراسة على نموذج ألزهايمر، يعمل الفريق حاليًا على اختبار التقنية لعلاج أشكال مختلفة من الإصابات الدماغية، مثل إصابات ما بعد الحوادث، والسكتات الدماغية، وحتى الاضطرابات النفسية المرتبطة بخلل التشابك العصبي. وتشير ورقة موازية نُشرت بالتزامن من معهد كارولينسكا السويدي إلى وجود مؤشرات أولية على نجاح التقنية في إعادة توازن نشاط الدماغ لدى مرضى الاكتئاب المقاوم للعلاج.

حدود البحث والتحفظات السريرية

على الرغم من حماسة النتائج، يحذر خبراء من التسرع في التقييم. الدكتورة ليزا فرومان، المتخصصة في علم الأعصاب التجريبي بجامعة كولومبيا، ترى أن فعالية التحفيز الضوئي تعتمد على العديد من العوامل البيولوجية، مثل سماكة الجمجمة واختلاف الكثافة النسيجية بين الأفراد، مما قد يحدّ من تعميم النتائج على البشر. "نحن بحاجة إلى تجارب سريرية واسعة النطاق، مع ضبط دقيق للمتغيرات البيولوجية، قبل الحديث عن اعتماد سريري فعلي"، تقول فرومان.

هل نحن على أعتاب تحوّل في طب الأعصاب؟

في مؤتمر الجمعية العالمية لطب الأعصاب في جنيف يونيو 2025، عُرضت هذه التقنية ضمن قائمة الاكتشافات العشرة الأكثر تأثيرًا لهذا العام. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تمويل مرحلة تجريبية بالتعاون مع خمسة مراكز بحثية أوروبية لاختبار سلامة التقنية على المتطوعين الأصحاء في إطار مشروع "NeuroLight-25".

ضوء في نهاية نفق الخسائر العصبية

في عالم لا يزال يعاني من محدودية العلاجات المتاحة لأمراض الدماغ المزمنة، تأتي هذه المقاربة لتقدم أملًا حقيقيًا بتقنيات غير جراحية، ذكية وآمنة، تحفّز قدرات الدماغ الطبيعية على التعافي والتجدد. فهل نكون على مشارف عصر تُعالج فيه الأدمغة بالضوء؟ هذا ما ستكشفه التجارب السريرية خلال السنوات القليلة المقبلة.