ارتفاع حالات اضطرابات النوم في الفئات العمرية الشابة يدفع المستشفيات لتوسيع عياداتها المتخصصة

وفي قلب الليل: توسّع عيادات النوم لمواجهة أزمة الشباب

سجلت مستشفيات عدة خلال الربع الأول من 2025 ارتفاعاً تجاوز 35٪ في حالات اضطرابات النوم لدى فئة الشباب بين 18 و30 عاماً. وقد دفعت تلك الأرقام بعض المراكز الطبية إلى توسيع عيادات النوم المتخصصة وإدخال نظم دعم جديدة لتقديم المشورة والعلاج السريع، في ظل تنامي الضغوط النفسية وحياة رقمية مشحونة.

السياق: عندما تتداخل التقنية مع الصحة

النشاط الرقمي المتواصل، بما في ذلك الإشعاعات الزرقاء واستخدام الهواتف قبل النوم، أصبح عاملاً مشتركاً في تأخر النوم. سجّلت دراسة حديثة أنّ نحو ثلث الشباب في المدن الأوروبية يعانون اختلالاً في دورة النوم واليقظة بسبب استخدام الأجهزة الإلكترونية لثلاث ساعات على الأقل قبل النوم. يشير هذا إلى تحول في نمط الحياة اليومية وتغير علاقة الإنسان بنمط الراحة.

بيانات من المستشفيات: الضغط يتزايد

تكشف أرقام مستشفى «أمستردام الجامعي» عن زيادة ملحوظة في عدد المراجعين لعيادة النوم، إذ ارتفع عدد المراجعين من 120 إلى 165 حالة شهريًا خلال عام. وفي «مستشفى هارلم»، سجّل الأطباء أيضاً ارتفاعاً بمعدل 40٪ في حالات الأرق والاضطرابات المرتبطة بالقلق. يتضمن الطلب المستجد حالات تشمل الأرق المزمن، اضطرابات التنبيه الليلي، توقف النفس أثناء النوم، أو اضطراب وقت النوم المتأخر.

توسعة العيادات.. من تقييم تشخيصي إلى علاج متكامل

لم تعد العيادات تكتفي بالفحوص التقليدية (مثل تخطيط النوم)، بل باتت تضم فرقاً متعددة التخصصات تشمل أطباء نفسيين، اختصاصيين في السلوك، مدربين على تقنيات الاسترخاء، ومتخصصين في العلاج بالضوء. تعتمد بعض المستشفيات أيضًا نهج العلاج الجماعي والجلسات الورشية لتثقيف الشباب حول عادات النوم الجيّدة. هذا النموذج يعكس وعيًا جديدًا بأثر العقل والجسد على النوم.

هل الوباء ترك بصمته؟

لا يمكن تجاهل البعد النفسي؛ فآثار الجائحة المستمرة على الصحة النفسية لـ"جيل ز" تظهر بوضوح. مراحل انقطاع التواصل، ارتفاع حالات القلق والاكتئاب، أثّرت على نوعية النوم، ما جعل الشباب أكثر قابلية للإصابة بأرق مزمن. تلعب هذه الحالة دوراً رئيسياً في زيادة الإقبال على العيادات المتخصصة.

تقييم الأداء: ما الجديد في التشخيص والعلاج؟

أحد المستشفيات الأفريقية في دبي أضاف تقنية استعمال الأجهزة المنزلية القابلة للارتداء لتسجيل أنماط النوم، مع نظام تحليلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي. هذه الخطوة تعزز من دقة التشخيص وتقلل من ضغط الانتظار داخل المستشفى. كذلك، تعقد دورات غسل معرفية (CBT-I) يُعدها أطباء سلوكيون عبر منصات افتراضية، ما يساهم في تكثيف الدعم النفسي وتقليل الزيارات المباشرة، خصوصًا في المجتمعات المحافظة.

منافع مستقبلية وتحديات قياسية

يجدر بالمراكز تقديم ممارسات وقائية ضمن المدارس والجامعات، حتى قبل تفاقم المشكلة. تأخير ساعات بدء الدراسة الصباحي لشباب المراهقين يُعد خطوة علمية ناجحة غير مكلفة، وقد أظهرت نتائج إيجابية في تحسين النوم، وتقليل تقلب المزاج، وزيادة التركيز.

لكن هذا التحول لا يخلو من تحديات. فتكلفة إنشاء عيادة نوم متكاملة عالية، وتتطلّب موارد بشړية مدربة ومؤهلة. تبقى صعوبة تغطية التأمين لشريحة الأرق الوظيفي والقلق الليلي عائقاً يواجه الناشئين، خاصة دون وجود سياسات تأمين تغطي تلك الحالات الشائعة.

النظرة النقدية: هل التوسع يستجيب فقط لأزمة أم يشكل نموذجًا صحيا؟

من منظور تحليلي، التوسع يعكس استجابة طبية ذكية لتفشي ظاهرة جديدة. لكن الأسئلة الحرجة تكمن فيما إذا كان ما يُبذل الآن سيحوّل النمط نحو تكيف دائم، أو إن تكرار الحالات سيجبر الأنظمة الصحية على اعتماد العيادات الوقائية. وما إذا كانت الاستراتيجية تركز بالدرجة الأولى على معالجة الأعراض بدلاً من التحوّل إلى حلول بيئية واجتماعية (مثل تقليل الضوء الاصطناعي والتثقيف الصحي العام).

إلى أين تتجه الأمور في المستقبل؟

يتجه القطاع الصحي نحو احتضان مبادرات واعتمادية مكثفة أكثر: تقديم خدمات وقائية عبر المدارس، استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوقع توجهات النوم، وتطوير "حزم ذكية للنوم" تشمل التمارين، الإرشاد السلوكي، وأدلة رقمية للتقليل من آثار شاشات العرض. كما أن الحاجة باتت ملحة لتشجيع البحث العلمي حول العوامل البيئية التي تؤثر على النوم لدى الشريحة الشابة.

ختاماً: التوسع في عيادات اضطرابات النوم يعكس جَرس إنذار: حين يبدأ النّوم بالتأثر لدى الأجيال الصاعدة، ستنهض البنية الصحية لتصنع حلولًا عاجلة وشاملة، لكن السؤال يبقى: هل سننجح في تعديل نمط حياة العام المقبل قبل أن تصبح هذه الأزمة «طبيعية متوقعة»؟