فرنسا تنهي وجودها العسكري الدائم في السنغال بعد أكثر من قرنين من التواجد

نهاية حقبة ترتكز على التاريخ

سلَّمت فرنسا رسميًا قاعدة Geille الجوية والمعسكر العسكري الرئيسي في داكار إلى السلطات السنغالية، معلنة انتهاء وجودها العسكري الدائم في السنغال—الذي امتد على مدى أكثر من 200 عام بدءًا من فترة الاستعمار وحتى استقلال البلاد عام 1960—مع انسحاب آخر حوالي 350 جنديًا فرنسيًا من البلاد. الحدث أنهي قائمة انسحابات بدأت من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وساحل العاج قبلها. الطفل اللافت في المشهد: تفاوت الأجواء مع انسحابات أخرى كانت أكثر توترًا، بينما جرى هذا الانسحاب بروح تعاونية واضحة .

السياق والتحديات الجيوسياسية

قرار الانسحاب جاء تتويجًا لمطالب كبيرة كانت تقودها الحركة الوطنية الجديدة في السنغال، برئاسة الرئيس باسيرو ديوماي فاي، التي اعتبرت التواجد العسكري الفرنسي خارج إطار السيادة الوطنية. فاي طالب رسميًا في نهاية 2024 بإنهاء أي قواعد عسكرية أجنبية، معتبرًا أن العلاقة تعاونية يجب أن تعيد رسم نفسها بعيدًا عن الهيمنة الخارجية .

الخطوة تندرج ضمن توجه أوسع في المنطقة نحو "استقلال قرارات الأمن"؛ ففي مسار مماثل، خرجت فرنسا من قواعدها في مالي والفيجي وقبلها النيجر وبوركينا فاسو، في ظل تصاعد الانقلابات ونفور شعبي متزايد من النفوذ الفرنسي القديم.

تفاصيل انسحاب مبرمج ومنسَّق

بدأت العملية بخطوات فعلية في مارس 2025، حين تم إعادة تسليم قاعدتين في داكار. تلاها تسليم قاعدة Rufisque في 1 يوليو، ثم القاعدة الجوية في Geille في 17 يوليو ضمن حفل رسمي بحضور الجنرال باسكال ياني من الجانب الفرنسي، والجنرال مباي سيّس من الجانب السنغالي، مع رفع العلم السنغالي في مشهد رمزي يعكس نهاية فصل طويل في العلاقة بين البلدين .

العملية تمت بتناغم ملحوظ، لم تسجل خلالها أي توترات أو مقاومة رسمية من كلا الطرفين، مما يميزها عن انسحابات فرنسا من دول أخرى مثل تشاد أو النيجر حيث كانت متوترة أو مفاجئة .

قراءة تحليلية: ماذا تغيّر؟

الملفت أن فرنسا، بدلاً من مواجهة كاملة، اختارت اعتماد نموذج شراكة أمنية جديد يقوده التدريب وتبادل المعلومات، دون تواجد دائم. 

الاستراتيجية الجديدة تحاكي تراجع تدريجي في النفوذ الفرنسي التقليدي في غرب ووسط أفريقيا، مع تعاظم دور شركاء جدد—مثل روسيا والصين والإمارات—في ملء الفراغ الناشئ بعد الانسحابات .

انعكاسات على السنغال والعلاقات الإقليمية

الحكومة السنغالية أكدت أن الاستقلالية الأمنية أصبحت أولوية وطنية، وأنها تعتمد اليوم على قواتها وحدها لحماية حدودها ومكتسباتها، دون وجود خارجي دائم يهيمن على مكانها الرسميّة.

في ظل رحيل القوات الفرنسية، تقف السنغال اليوم أمام فرصة لتوسيع تعاونها مع شركاء آخرين في مجالات الدفاع والاستخبارات، بما يعزز من استقلاليتها الإستراتيجية على مستوى غرب أفريقيا.

هل تصبح هذه القاعدة نموذجًا جديدًا؟

التساؤل الأبرز هو ما إذا كانت هذه الخطوة سيناريو مستدام لتغيير شامل في العلاقات الأمنية بين فرنسا ومستعمراتها السابقة؟ وهل يمكن لهذه الشراكة الجديدة أن تبقى ثابتة في مواجهة التغيرات السياسية أو الضغوط من القوى الدولية؟

بينما يرحل آخر جنود الاحتلال القديم، يبدو أن الفصل القادم يبدأ بعلاقات أكثر توازناً... هل تصمد هذه الشراكات الجديدة أم تنزلق المشاركة مجدداً إلى سياسات النفوذ التقليدية؟