باحثون يكتشفون نوعًا من البكتيريا البحرية قادرًا على تحليل الميكروبلاستيك وتحويله إلى طاقة حيوية

بكتيريا بحرية تفتح آفاقًا جديدة لمواجهة تلوث البلاستيك

كشف فريق علمي متعدد الجنسيات في يونيو 2025 عن سلالة جديدة من البكتيريا البحرية تمكّنت من تحليل جزيئات الميكروبلاستيك وتحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام البيولوجي. الاكتشاف الذي أعاد النقاش إلى واجهة الأوساط البيئية والعلمية حول إمكانية الاستفادة من الكائنات الدقيقة في مقاومة واحدة من أكثر الكوارث البيئية انتشارًا: التلوث البلاستيكي المتناهي الصغر.

خلفية الظاهرة: ميكروبلاستيك يغزو المحيطات

الميكروبلاستيك، وهي جزيئات بلاستيكية يقل حجمها عن 5 ميليمترات، تنتشر حاليًا في كل بيئة بحرية على كوكب الأرض. تدخل هذه الجزيئات السلسلة الغذائية البحرية بسهولة، وتؤثر على الأسماك والعوالق والطيور، بل وقد ثبت وجودها في أنسجة بشړية. المشكلة لا تكمن فقط في تزايد كمية هذه المواد، بل في صعوبة تفكيكها بطرق طبيعية. لذلك، فإن اكتشاف كائن دقيق قادر على تفكيكها يمثل خطوة استراتيجية ذات أبعاد علمية وبيئية.

تفاصيل الاكتشاف: الكائن والآلية والنتائج

البكتيريا المعنية تنتمي إلى جنس Bacillus، وهي كائنات شائعة في بيئات المياه المالحة. ولكن ما ميّز هذه السلالة هو قدرتها على إنتاج إنزيمات تحلّل مركبات البوليمر المعقدة الموجودة في الميكروبلاستيك إلى جزيئات أبسط. المذهل في نتائج التجربة أن هذه البكتيريا لم تكتفِ بالتحلل، بل حوّلت نواتج التحلل إلى مصادر طاقة بيولوجية تُستخدم في عملياتها الخلوية، ما يشير إلى إمكانية إدماجها ضمن أنظمة إنتاج الطاقة منخفضة التكلفة مستقبلاً.

وبحسب الفريق البحثي، تم رصد انخفاض بنسبة 22.5% في الكتلة الجزيئية لعينات من بوليستيرين خاضعة لعملية التحلل خلال 30 يومًا، وهو معدل يُعد واعدًا مقارنة بالمعدل الطبيعي لتحلل البلاستيك في البيئة البحرية، والذي قد يستغرق مئات السنين.

تقنية التحفيز: تسريع التفكك وتحويله إلى طاقة

لتحقيق هذه النتائج، استخدم الباحثون تقنيات تحفيزية ضوئية لتحفيز الإنزيمات التي تنتجها البكتيريا. فعند تعريض العينات البلاستيكية لأشعة فوق بنفسجية محددة التردد، زادت فعالية البكتيريا بنسبة 40%. كما استعانوا بتقنيات النانو لتحسين قدرة البكتيريا على الالتصاق بأسطح البلاستيك، مما أدى إلى تقليل الوقت اللازم لبدء التحلل.

تطبيقات مستقبلية في البيئات الصناعية والبحرية

رغم أن النتائج ما زالت ضمن النطاق التجريبي، يرى متخصصون أن هذه التكنولوجيا يمكن استخدامها مستقبلاً ضمن "مفاعلات بيولوجية بحرية"، تُزرع فيها البكتيريا على منصات عائمة في مناطق تركّز التلوث البلاستيكي مثل الدوامة الكبرى في المحيط الهادئ. كما تقترح دراسات إضافية استخدام هذه البكتيريا في معالجة مياه الصرف الصناعي التي تحتوي على مخلفات بلاستيكية، خاصة تلك المرتبطة بصناعات التعبئة والتغليف.

وجهات نظر نقدية: وعود حقيقية أم تفاؤل مبالغ فيه؟

على الرغم من الحماس العلمي المحيط بالاكتشاف، يشير بعض الخبراء إلى أن التحلل الكامل للميكروبلاستيك ما زال غير ممكن بيئيًا على نطاق واسع دون إدخال محفّزات صناعية. كما أن هناك تخوفات من تأثيرات إدخال سلالات بكتيرية معدّلة إلى بيئة بحرية مفتوحة، مما قد يخلّ بالتوازن الميكروبي الطبيعي في المحيطات.

الدكتورة سيلفيا هامرشميت، الباحثة في علم الأحياء البحرية بجامعة كوبنهاغن، صرّحت : "القدرة على تحويل نفايات بلاستيكية إلى طاقة بواسطة بكتيريا بحرية تمثل تقدمًا هائلًا، لكننا بحاجة إلى فهم التأثيرات الجانبية بعناية فائقة قبل التفكير في تطبيقات بيئية مفتوحة."

نحو حلول متكاملة لمشكلة معقدة

الاكتشاف يسلّط الضوء على أهمية دمج التقنيات البيولوجية ضمن استراتيجيات الاستدامة، مع التركيز على تطوير تقنيات غير مكلفة وقابلة للتطبيق الميداني. وإذا ما تطورت الأبحاث حول هذه البكتيريا، فقد نشهد خلال السنوات القليلة المقبلة حلولًا تكنولوجية هجينة تمزج بين التحلل البيولوجي والتحويل الطاقي.

هل نحن أمام بداية النهاية لتلوّث الميكروبلاستيك؟

رغم أن التحدي لا يزال ضخمًا، فإن هذه الخطوة العلمية تقدّم لمحة واقعية عن قدرة الكائنات الدقيقة على المساهمة في إنقاذ المحيطات، ليس فقط من التلوث، بل بإعادة تدويره إلى مصدر طاقة. السؤال الأهم الذي يطرح نفسه الآن: هل يمكننا تطوير هذا المسار بسرعة كافية لمواجهة الټهديد الذي يشكله البلاستيك على كوكبنا قبل أن يصبح غير قابل للاحتواء؟