دراسة حديثة: بعض أنواع أشجار التين في كينيا تستطيع تحويل جزء من الكربون إلى معادن ثابتة

أشجار التين في كينيا: اكتشاف علمي يُعيد رسم دور الغطاء النباتي في احتجاز الكربون

في اكتشاف علمي واعد تم الكشف عنه في يوليو 2025 خلال مؤتمر علوم الأرض الدولي "Goldschmidt"، توصّل فريق من الباحثين الدوليين إلى أن بعض أنواع أشجار التين الاستوائية في كينيا قادرة على تحويل جزء من ثاني أكسيد الكربون الممتص من الغلاف الجوي إلى معادن صلبة تُخزَّن تحت سطح التربة. هذا التحول النادر، الذي يحدث داخل أنسجة الجذور، قد يشكّل بوابة جديدة نحو استراتيجيات طبيعية طويلة الأمد للتخفيف من آثار تغيّر المناخ.

جذور تخزّن الكربون كالصخور

الدراسة التي قادها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتعاون مع علماء من جامعة نيروبي وجامعة بيرن، أظهرت أن جذور شجرة Ficus wakefieldii المنتشرة في المناطق الاستوائية من كينيا، تقوم بتكوين مركّب "أكسالات الكالسيوم" داخل أنسجتها الحية. هذا المركّب يتفاعل لاحقًا بفعل عمليات طبيعية تشمل بكتيريا التربة وفطريات دقيقة، لينتج عنه كربونات الكالسيوم، وهو معدن صخري ثابت يُعادل ما نجده في الحجر الجيري أو الطباشير.

تكنولوجيا طبيعية تعيد رسم معادلات المناخ

على خلاف معظم العمليات الحيوية للنباتات التي تترك الكربون في صورة عضوية سهلة التحلل، فإن المسار الذي تسلكه هذه الأشجار يُعرف بـ"مسار الأكسالات-الكربونات"، وهو ما يسمح للكربون بالتحول من الحالة الغازية إلى شكل معدني مقاوم للتحلل، يمكنه البقاء في التربة لمئات أو آلاف السنين.

الباحثة الرئيسية في المشروع، الدكتورة ميلاني جراسر، أوضحت في بيان صحفي أن "هذه الأشجار لا تقوم فقط بالتقاط الكربون من الغلاف الجوي، بل تقوم فعليًا بحپسه داخل هيكل معدني، يُعد واحدًا من أكثر أشكال التخزين استقرارًا في الطبيعة".

صور شعاعية توثّق التحول

لاستكشاف هذا التحول، استخدم الفريق العلمي تقنية الأشعة السينية عالية الطاقة عبر مسرّع سنكروتروني في جامعة ستانفورد، مما أتاح توثيق التغيرات الدقيقة في تركيبة الجذور والتربة المحيطة بها. وقد تبيّن أن نسبة لا يستهان بها من الكالسيوم الموجود في التربة قد أعيد تجهيزه بفضل هذه الأشجار، ما يعكس قدرة النظام البيولوجي على إعادة بناء البيئة الجيولوجية بطريقة صامتة وعميقة.

لماذا التين؟ ولماذا كينيا؟

شجرة Ficus wakefieldii ليست فقط من الأشجار المثمرة، بل تنتمي أيضًا إلى سلالة نباتية عريقة لها علاقات تكافلية متطورة مع كائنات مجهرية في التربة، مثل الفطريات الجذرية. هذه العلاقات تسمح لها بتحفيز التفاعلات الكيميائية المعقّدة، وهو ما يجعلها مرشحة مثالية لمشاريع زراعة تجمع بين الإنتاج الغذائي والاحتجاز المناخي للكربون.

كما أن اختيار كينيا لم يكن اعتباطيًا؛ فالمناخ الاستوائي، والتنوع الحيوي العالي، والتركيبة المعدنية الغنية للتربة، كلها عوامل ساعدت في بروز هذه الظاهرة وقياسها بدقة.

كيف يغيّر هذا الاكتشاف مستقبل المناخ؟

يُعد احتجاز الكربون عبر التحول المعدني هدفًا محوريًا في معظم خطط مكافحة تغيّر المناخ. إلا أن تقنيات الاحتجاز الصناعية لا تزال مكلفة وتتطلب بنية تحتية معقدة. هنا تبرز أهمية هذه الاكتشافات، إذ توفر حلاً حيويًا منخفض التكلفة، يعتمد على استغلال مسارات بيولوجية قائمة بالفعل في الطبيعة.

ويأمل الفريق البحثي أن يتم توسيع نطاق التجارب في بلدان أفريقية وآسيوية أخرى، لاختبار إمكانات أنواع نباتية مختلفة في القيام بعمليات مشابهة. كما يتم التخطيط لتطوير خرائط بيئية تُظهر التربة والمناطق التي يمكن أن تستفيد أكثر من زراعة أشجار تين معدّلة وراثيًا لتحسين قدرتها على الاحتجاز المعدني للكربون.

تحديات بيئية واجتماعية

ورغم الآمال المرتفعة، فإن هناك تحديات قائمة، أبرزها التأكد من أن هذه الممارسة لن تؤدي إلى تقليص تنوع الأنواع النباتية، أو تغيير دورة المغذيات في التربة. كما أن إدماج هذه التقنية في الزراعة التقليدية يتطلب تدريب المجتمعات المحلية والتأكد من توفر البنية التحتية الداعمة لها.

الباحث الكيني جيمس موتوا أشار إلى أن "الخطوة التالية يجب أن تشمل المجتمعات الزراعية نفسها، لأن تحويل هذا الاكتشاف إلى حل عملي لن ينجح من المختبر فقط، بل من الحقل مباشرة".

هل نحن أمام غابات تحتجز الكربون كالصخور؟

بينما تتسارع وتيرة التغير المناخي، وتتعاظم التحديات التي تواجه العالم في تقليص انبعاثات الكربون، يبدو أن الطبيعة ما زالت تخبئ حلولًا ذكية قد تكون أكثر فاعلية مما كنا نظن. والسؤال الذي يطرحه هذا الاكتشاف هو: هل يمكن أن نُصمم نظمًا زراعية تُنتج الغذاء وتبني الصخور في آنٍ واحد؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا زُرعت هذه الأشجار الذكية في ملايين الهكتارات عبر إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؟