خبراء يتوقعون مواصلة الجنيه المصري التراجع الطفيف خلال الشهر القادم وسعر صرفه يوم 11 يوليو 2025

الجنيه المصري يواصل التراجع المحدود: بين الواقع النقدي وضغط التوقعات

سجّل الجنيه المصري في 11 يوليو 2025 سعر صرف بلغ 49.51 جنيهًا مقابل الدولار الأميركي، في سوق ما زال يتفاعل بحذر مع سلسلة قرارات نقدية محلية ودولية. يأتي هذا التراجع الطفيف، الذي لم يتجاوز 0.3% منذ مطلع يوليو، ضمن مسار أشبه بـ"الهبوط المُدار"، في ظل استمرار تحديات العرض من العملة الصعبة، وارتفاع الطلب على الدولار في الأسواق المحلية.

ومع مراقبة الأسواق لمؤشرات اقتصادية وسياسات حكومية مرتبطة بتدفقات الاستثمار والتضخم، رجّح عدد من الخبراء استمرار هذا التراجع بوتيرة محدودة خلال الأسابيع القادمة، قبل أن تبدأ مؤشرات الاستقرار بالظهور في النصف الأخير من العام.

لماذا يتراجع الجنيه؟

السبب الأبرز خلف الأداء المتراجع للجنيه لا يرتبط بقرار وحيد، بل بتراكمات سياسية واقتصادية امتدت لسنوات. فبالرغم من تنفيذ مصر برنامجًا للإصلاحات الاقتصادية منذ 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وتوسيع قاعدة التمويل الأجنبي عبر اتفاقيات مع دول الخليج ومؤسسات تنموية، لا تزال تدفقات النقد الأجنبي غير كافية لتلبية حجم الطلب في السوق المحلي، خاصة في قطاعات الطاقة والسلع الاستراتيجية.

وتشير تقديرات رسمية أن العجز الجاري بلغ أكثر من 17 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2024/2025، ما يُشكّل ضغطًا مباشرًا على احتياطيات العملة الأجنبية، ويضعف قدرة البنك المركزي على تثبيت سعر الصرف أو دعمه بشكل مباشر.

نظرة الخبراء: توقعات بالهبوط المحدود لا الاڼهيار

وفقًا لتحليلات صادرة عن مؤسسة "BMI Research"، من المرجّح أن يتراوح سعر صرف الجنيه مقابل الدولار بين 49.50 – 50.30 خلال النصف الثاني من يوليو، على أن يُغلق الشهر قرب حدود 50.00 جنيهًا. وتعزو المؤسسة ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

سياسة نقدية متحفظة من قبل البنك المركزي المصري تُرجّح التثبيت المؤقت لأسعار الفائدة.

تراجع نسبي في وتيرة التضخم (الذي بلغ 23.8% في يونيو).

سلوك السوق غير المنفعل رغم الضغوط، ما يمنح الجنيه نوعًا من "المرونة المحسوبة".

البنوك والسيولة: موازنة معقدة بين الجنيه والفائدة

في ظل التراجع الطفيف للجنيه، تتخذ البنوك التجارية مسارًا وقائيًا من خلال رفع الفائدة على الودائع قصيرة الأجل، لجذب السيولة المحلية وتقليص دولرة المدخرات. وتشير البيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري أن متوسط العائد على شهادات الادخار بلغ 21.5% في يوليو، وهي مستويات تُمثّل عبئًا على المصارف من حيث تكلفة التمويل، لكنها ضرورية للحفاظ على الاستقرار النقدي.

لكن التحدي الأساسي يكمن في أن ارتفاع الفائدة لم يمنع الضغط على الجنيه، ما يفتح الباب لتساؤلات حول فعالية السياسة النقدية في ظل وجود عجز تجاري كبير وتباطؤ في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

السوق المحلي: التضخم يلتهم قيمة الجنيه اليومية

في الشارع، لا يحتاج المواطن العادي إلى مؤشرات اقتصادية ليشعر بتراجع قيمة الجنيه. أسعار السلع الأساسية، وخاصة المستوردة، تواصل الارتفاع، مع تسجيل زيادات جديدة في أسعار القمح، الأدوية، وبعض الأجهزة الإلكترونية خلال الأسبوع الأخير. ويُعزى ذلك إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميًا.

ويرى مراقبون أن التراجع الطفيف في سعر الجنيه يُترجم إلى "ضغط تراكمي" على الأسعار، حيث تؤدي تحركات بسيطة في سوق الصرف إلى تغيّرات ملموسة في القدرة الشرائية، بسبب اعتماد الاقتصاد المحلي بشكل كبير على الواردات.

العلاقة بالدولار: ضغوط خارجية تُقابل مرونة محدودة

في الوقت الذي يواجه فيه الجنيه ضغوطًا داخلية، يتزايد العبء بفعل تحركات الدولار عالميًا، خاصة بعد بيانات سوق العمل الأميركية الأخيرة، التي دفعت مؤشرات الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل أي خفض للفائدة في الربع الثالث من العام، مما عزّز جاذبية الدولار عالميًا، على حساب عملات الأسواق الناشئة ومنها الجنيه المصري.

ومع ذلك، يستبعد المحللون أن يؤدي ذلك إلى "اڼهيار حاد"، مشيرين إلى أن البنك المركزي المصري حافظ على نمط تدخل متزن في السوق، ضمن آلية مرنة تراعي التزامات برنامج الإصلاح، ولكن دون السماح بحدوث قفزات مفاجئة في السعر.

إلى أين يتجه الجنيه في أغسطس؟

تبدو التوقعات أكثر ميلاً نحو استمرار التراجع التدريجي للعملة المصرية حتى نهاية الصيف، قبل أن تبدأ عوامل الاستقرار في الظهور، مع دخول تدفقات تمويلية جديدة متوقعة من شركاء دوليين، وتحسّن نسبي في أداء قطاع السياحة والصادرات الزراعية.

ويُرجّح أن يتحرك الجنيه في نطاق 49.80 – 50.70 حتى نهاية أغسطس، ما لم تطرأ متغيرات حادة على مستوى الأسواق العالمية أو التدفقات النقدية المفاجئة.

هل يملك المركزي أدوات جديدة لحماية العملة؟

أمام هذا الواقع، تبرز تساؤلات حرجة: هل يملك البنك المركزي المصري أدوات جديدة، غير الفائدة والتدخل المحدود، لضبط أداء الجنيه؟ وهل ستسهم الجولة القادمة من الإصلاحات – المقررة نهاية 2025 – في تحسين المؤشرات النقدية بشكل مستدام؟

في ضوء الظروف الحالية، يُراهن صانعو القرار على عامل الوقت، وعلى تحسّن بيئة الاستثمار الدولية. لكن إلى ذلك الحين، يبدو أن الجنيه سيتابع رحلة التراجع البطيء، دون فقدان كامل للثقة، في انتظار تحوّل حاسم قد يُعيد رسم خريطة سعر الصرف في 2026.