العمليات البحرية لاكتشاف بقايا القوس المبتور لـUSS New Orleans في جنوب المحيط الهادئ

ثمّة لحظة مفصلية في الذاكرة البحرية تكشفها أعماق جنوب المحيط الهادئ؛ على بُعد نحو 675 مترًا في Iron Bottom Sound قرب جزيرة غوادالكانال، تمت مؤخراً رصد قطعة نادرة تعود للقوس الأمامي لسفينة "يو إس إس نيو أورلينز" (USS New Orleans)، التي فقدت جزئها العلوي إثر ضړبة متفجرة أثرت على مسارها في أحد أعنف معارك المحيط الهادئ. اليوم، بعد 83 عامًا، يُعاد فصل فصل من تاريخ الملحمة البحرية الأمريكي أمام الشعاب المرجانية.

خلفية تاريخية: معركة تسافارارونغا وتحدي البقاء

في 30 نوفمبر 1942، أثناء معركة تسافارارونغا قرب غوادالكانال، أصيبت السفينة بخسارة مدوية حين أطلقت غواصة يابانية طورا شديدة القوة “لونج لانس”، مما تسبب بانفجار داخلي هائل أدى إلى اقتلاع نحو ثلث مقدمة السفينة بما فيها القوس. وراح ضحېة الانفجار 182 بحارًا، لكن البقية نجوا بمعجزة لزمضوا أوامر الطوارئ لإبقاء السفينة طافية. استعادتها بعد ذلك عبر استخدام جذوع جوز الهند لإنشاء مقدمة مؤقتة، مما مكنها من الإبحار بالمؤخرة أولًا نحو جزيرة تولاجي ثم إلى سيدني وصولًا إلى محطة إصلاح في سياتل.

عملية الاكتشاف: تعاون عالمي من أعماق البحار

في أوائل يوليو 2025، قاد Ocean Exploration Trust بقيادة Robert Ballard – المكتشف السابق لغواصة Titanic – حملة تحت اسم "البحرية الأثرية لغوادالكانال" باستخدام سفينة Nautilus وROV وأسطول سطحي آلي DriX التابع لجامعة نيوهامشير. جمع الفريق صورًا دقيقة للأجزاء المغمورة وتمكَّن من تحديد موقع القوس المبتور الـ150 قدمًا باستخدام تفاصيل مميزة مثل طلاء قديم ومرساة منقوشة. العملية جرى بثها مباشرة، ما مكن مئات الخبراء من المشاركة الفعلية .

تفاصيل الموقع والأهمية العلمية

القوس الراكد على عمق 675 مترًا (أكثر من 2,200 قدم) لا يظهر تصدّعًا كبيرًا، ما يعكس جودة بنيته وتماسكه رغم إثراء الأعماق البحرية. وتشير الملاحظات الأولية إلى توطن كائنات بحرية متعددة – كالرخويات والشعاب المرجانية – تستخدمه مأوى طبيعيًا. ويشكل هذا الموقع دلالة على قدرة الحملة على الجمع بين علم الأركيولوجيا البحرية والحفاظ البيئي .

الانعكاسات الرمزية للتضحيات والذاكرة

صرّح سامويل كوكس، مدير Naval History and Heritage Command، أن العثور على القوس يُشكل مناسبة لتخليد أسماء البحّارة الذين فقدتهم السفينة في ليلة سوداء من تاريخ البحرية الأمريكية. كما قال فرانك طومسون، أحد فريق البحث: "كان الدافع شخصيًا ومهنيًا في الوقت ذاته، فأنا نشأت وأنا أنقب عن أسرار السفن"، مستحضرًا أهمية حفظ الذاكرة الجماعية والإنسانية . هذه النتيجة تظهر كيف أن تضافر الأبحاث والوسائل التقنية بات يمكّن من إعادة قصص قد ڠرقت في طيّات الزمن.

التكنولوجيا مع التحديات الأخلاقية

ينبغي الاعتراف أن نجاح هذه الحملة يعكس تقدم أدوات البحث تحت الماء، إلا أنها تفتح جدلًا حول:

تأثير عمليات البحث على البيئة بحرية: هل تكون لها أضرار بيئية خاصةً للكائنات البحرية التي استوطنت موقع القوس؟

تعزيز مفهوم السيادة على المواقع التاريخية: كيف توازن الدول المصدرية والراعية للاكتشاف؟

التعاطي الأخلاقي مع الآثار الحړبية: هل تُعد القطع البحرية مواقع مقدسة أو أماكن علمية يمكن الاستفادة منها؟

هذه الأسئلة تحتاج إشراك المجتمع الدولي والسلطات المحلية لضمان سُبل احترام التوازن التاريخي والطبيعي.

أعمق من القاع، أقوى من الذكريات

بعد هذا الإنجاز، خططت Nautilus لبعثات جديدة نحو السفن الأخرى المفقودة في Iron Bottom Sound – حيث رست 111 سفينة خلال معارك 1942، ولم يُكتشف سوى 30 منها. هذه الحملة قد تؤسس لفهمٍ أعمق لمسار الحړب وأثرها على الذاكرة البشرية، هيمنتها وتعقيداتها، بل ربما توثيقُها لتوسيع قائمة المواقع البحرية العالمية.

الكنز في القاع والسؤال في القلب

استعادة قوس "يو إس إس نيو أورلينز" ليس حدثًا تقنيًا بُحتًا، بل هو احتفاء بتاريخ يتغلغل في أعماق الإنسان، رمزًا لتحوُّلات الإنسان في ۏحشية الحړب وقدرته على التماسك. مع هذه الاكتشافات صورتنا عن الماضي تتوالد، ولكن السؤال يبقى: هل ستحافظ البشرية على توازنٍ بين استكشاف الماضي المحفوظ في أعماق البحار والحفاظ على روحه وبيئته؟ وهل نكون مستعدين لتحويل هذه القطع البحرية إلى دروس حية وعبر إنسانية بدلًا من أن تكون مجرد أطلال؟