هل هناك جانب جيد للضغط النفسي؟

هل هناك جانب جيد للضغط النفسي؟

بين التحفيز والإنهاك... كيف يمكن للضغوط أن تصنع النجاح؟

في عام 2023، كشف تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 60% من الموظفين حول العالم يعانون من مستويات متزايدة من الضغط النفسي المرتبط بالعمل. لكن، هل يمكن أن يكون هذا الضغط، رغم سمعته السيئة، حليفًا غير متوقع للإنجاز والنجاح؟

الضغط النفسي: من عدو يجب الهروب منه... إلى محفز للتميز

لطالما ارتبط الضغط النفسي بالصحة النفسية المتدهورة، والانهيارات العصبية، واضطرابات النوم والأكل. لكن تاريخ علم النفس الحديث يشير إلى تحول في النظرة إليه. في أربعينيات القرن العشرين، طرح هانز سيلي، الطبيب والباحث الكندي الشهير، مفهوم "الإجهاد الجيد" أو ما يُعرف بـ Eustress، وميّزه عن الضغط الضار الذي يؤدي إلى المړض. بحسب سيلي، فإن بعض أنواع الضغط قد تكون محفزة، شرط أن تكون تحت السيطرة.

في المجتمع الياباني، مثلًا، تم إدخال مفهوم "كاروشي" (المۏت بسبب الإفراط في العمل) في ثمانينيات القرن الماضي، مما سلط الضوء على الوجه القاتم للضغط. لكن في ذات السياق، بدأت شركات يابانية مثل "تويوتا" بتطبيق أساليب في الإدارة تشجع على الضغط التحفيزي لضمان الجودة دون المساس بصحة الموظف.

كيف يحفّز الضغط النفسَ على الإنجاز؟

يرى علماء النفس أن الضغط المعتدل يوقظ الجهاز العصبي ويُعزز إفراز الأدرينالين والكورتيزول، مما يزيد من التركيز والانتباه. في دراسة أُجريت في جامعة ستانفورد عام 2020، أثبت الباحثون أن الطلاب الذين شعروا بمستوى متوسط من الضغط خلال الامتحانات أدّوا أفضل بنسبة 12% من أولئك الذين لم يشعروا بأي ضغط.

في مقابلة مع البروفيسور أندرو هوبكنز، أستاذ علم الأعصاب السلوكي في جامعة أكسفورد، يقول:  "الضغط ليس العدو، بل طريقتنا في التعاطي معه هي ما تحدد إن كان سيدمرنا أو يقوّينا."

كما يشير تقرير صادر عن مجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" عام 2022 إلى أن "القادة الذين يتعرضون لضغوط محسوبة يميلون إلى اتخاذ قرارات حاسمة، ويطوّرون مهارات إدارة الوقت والتعامل مع الأزمات بشكل أفضل".

شهادات من الواقع: حين يصنع الضغط أعظم القصص

قصة ريم أبو راشد، رائدة أعمال سورية تقيم في دبي، تسلط الضوء على الجانب الإيجابي للضغط. تقول:  "أطلقت مشروعي الخاص في ذروة جائحة كوفيد-19، حين فقدت وظيفتي وأصبح المستقبل ضبابيًا. الضغط كان خانقًا، لكنني حولته إلى دافع للبقاء، واليوم لدي شركة ناشئة ناجحة يعمل بها 12 موظفاً."

ريم ليست حالة استثنائية. في تقرير لـ"فوربس الشرق الأوسط" نُشر عام 2024، تبين أن 38% من رواد الأعمال الناجحين في المنطقة أطلقوا مشاريعهم خلال فترات ضغط نفسي شديد، كالركود الاقتصادي أو النزوح القسري.

متى يتحول الضغط إلى خطړ يجب التدخل حياله؟

رغم أن هناك ضغطًا محفزًا، إلا أن تجاوزه لحدود التحمل قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ الاحتراق النفسي (Burnout)، المصنف من قبل منظمة الصحة العالمية كمتلازمة مهنية منذ عام 2019. ويزداد الأمر خطۏرة حين لا تكون هناك آليات لدعم الصحة النفسية في مكان العمل أو لدى الفرد.

الدكتورة نجلاء العلي، أخصائية الطب النفسي في مستشفى دمشق الجامعي، تشير إلى أن "تمييز الضغط المفيد من الضار يبدأ من وعي الفرد بمصادر توتره وأثرها على صحته الجسدية والنفسية. وللأسف، هذا الوعي ما زال محدودًا في مجتمعاتنا."

كيف نُعيد تعريف علاقتنا بالضغط؟

ربما يكمن التحدي الأكبر في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الضغط. فإذا اعتبرنا كل توتر تهديدًا، سنعيش في دائرة من القلق الدائم. أما إذا تعاملنا معه كإشارة إنذار، أو حتى فرصة للنمو، فقد نصنع منه وقودًا للتطور.

العديد من المدارس الحديثة في علم النفس الإيجابي تدعو إلى تبني مفهوم "المرونة النفسية"، الذي يعني القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة وتحويلها إلى فرص تعلم.

كما بدأت بعض المؤسسات التعليمية في دول مثل فنلندا وكندا بتدريس الطلاب كيفية التعامل مع الضغط منذ الصغر، عبر برامج "الإدارة العاطفية" و"التأمل الذهني"، مما انعكس إيجابيًا على أداء الطلاب واستقرارهم النفسي.

في الختام: هل يمكننا احتضان الضغط؟

ربما حان الوقت لطرح السؤال بصيغة مختلفة: ليس "هل الضغط النفسي جيد؟" بل: "كيف نجعل من الضغط أداة للنمو بدلًا من كونه سببًا للهلاك؟"

قد لا نملك خيار التخلص الكامل من الضغط في هذا العصر المتسارع، لكننا نملك بالتأكيد حرية تشكيل علاقتنا به. وكما قالت الكاتبة الأمريكية إليزابيث جيلبرت: > "الخۏف وُلد معنا في نفس اليوم، لكنني أنا من يقرر من سيقود الرحلة."

فهل سنقود الضغط، أم ندعه يتحكم بمسارنا؟