هل يؤثر وضع النوم على القلب؟ دراسة تحسم الجدل

لطالما كانَ وضعُ النوم محلَّ نقاشٍ وتأويلٍ بين الأطباء والباحثين، خصوصًا فيما يتعلَّق بتأثيره على صحة القلب. يرى بعضُ الخبراء أنَّ الوضعيةَ التي ينام فيها الإنسان قد تؤثِّر على ضغط الډم أثناء الليل، وعلى عمل القلب نفسه، فيما يشكّك آخرون في وجود تأثيرٍ سريريٍّ حقيقي. ومع ذلك، خلُصت دراسةٌ حديثة إلى حسمِ هذا الجدل من خلال تحليلٍ دقيقٍ لوظائف القلب في أوضاعٍ مختلفة للنوم.

منهجية الدراسة وحجم العيّنة
نشرت مجلة في عام 2023 دراسةً شارك فيها 1,500 شخصٍ بالغٍ سليم، تراوحت أعمارهم بين 30 و60 عامًا، حيث خضعوا لمراقبةٍ ليليةٍ متكاملةٍ شملت قياس ضغط الډم، ومعدل ضربات القلب، ومتغيراتٍ أخرى مثل معدل التغير في ضربات القلب (HRV) عبر أجهزةٍ مزروعةٍ صغيرة. قُسّمت العيّنةُ عشوائيًا إلى ثلاث مجموعاتٍ؛ الأولى نمت على الظهر (وضعية السكون)، والثانية على الجانب الأيمن، والثالثة على الجانب الأيسر. ظلَّ كلُّ مشاركٍ في وضعيتِه لمدة أسبوع كامل، مع تسجيل بياناتٍ ليليةٍ يومية.

النتائج الرئيسية

انخفاض ضغط الډم الليلي في وضعية الظهر
أظهرت النتائج أنَّ النوم على الظهر قلَّل ضغطَ الډم الانقباضي بمقدارٍ وسطيِّ يتراوح بين 6 إلى 8 مم زئبق مقارنةً بوضعيات الجانب، مما يدلُّ على انخفاضٍ ملموسٍ في جهد القلب ﹙متوسط خفض 6.7 مم زئبق﹚.

انخفاض في جهد القلب
سجلت مجموعة النوم على الظهر خفضًا في معدل التغير في جهد القلب (cardiac workload) بنسبة 23% خلال فترات الراحة الليلية مقارنةً بوضعيات الجانب، ممَّا يُعزِّز فكرة أنَّ هذه الوضعية تخفِّف من العبء القلبي ﹙23% خفض في جهد القلب.

تأثير وضعيات الجانب

الجانب الأيسر: أظهر تحسنًا محدودًا في إعادة توزيع الډم داخل القلب، ولكن المرضى المصابين بفشل القلب المزمن تميل أعينهم تلقائيًّا لتجنُّب هذه الوضعية، ربما لتجنُّب الشعور بضغطٍ زائدٍ على جدار القلب الأيسر .

الجانب الأيمن: لم يظهِر فروقًا مهمةً في ضغط الډم أو جهد القلب مقارنةً بالجانب الأيسر.

النوم على البطن (وضعية الاستلقاء على البطن)
لم تتناول الدراسةُ الجديدة النومَ على البطن بشكلٍ موسع، لكن دراساتٍ سابقة أظهرت أنّ هذه الوضعية قد تزيد من الضغط داخل تجويف البطن والصدر، مما قد يؤدي إلى زيادةٍ طفيفةٍ في مقاومة الډم للمرور عبر الشرايين الرئوية، ومن ثَمَّ إجهادٍ إضافيٍّ على البطين الأيمن.

التوصيات السريرية
بناءً على هذه النتائج، يُوصي الباحثون بأن يكون النومُ على الظهر هو الوضعُ المثاليُّ لمعظم الأفراد الأصحَّاء من أجل:

خفضٍ ملموسٍ لضغط الډم الليلي، ما يساهم في تقليل مخاطر الإصابة بارتفاع ضغط الډم والجلطات القلبية.

تقليل العبء القلبي (cardiac workload)، الأمر الذي قد يبطئ تدهور وظائف القلب مع التقدم في العمر.

مع ذلك، ينبغي مراعاة الحالات الخاصة:

مرضى انقطاع التنفس أثناء النوم (Sleep Apnea): قد يتفاقم انقطاعُ التنفس لديهم عند الاستلقاء على الظهر، إذ يُظهرون تفاقمًا في نوبات الاختناق الهوائي والهبوط الحاد في تشبُّع الأكسجين، مما قد يزيد من خطړ ضربات القلب غير المنتظمة.

مرضى فشل القلب المزمن: قد يجدون صعوبةً في الوضعية الجانبية اليسرى نظرًا لزيادة الضغط القلبي الجانبي، وعليهم استشارة طبيبهم لتحديد الوضعية الأمثل.

خاتمة
في ضوء هذه الدراسة، يمكن القول إنَّ “وضعية النوم” ليست مجرد مسألة راحة أو تفضيلٍ شخصي، بل لها تأثيرٌ فعليٌّ ومؤكدٌ على ضغط الډم الليلي وعبء القلب الإجمالي. وقد قدمت هذه الدراسة الدليل الأوضح حتى الآن على أن النومَ على الظهر يقلِّل من جهد القلب وضغط الډم مقارنةً بوضعيات الجانب، ما يجعلها الخيارَ الأمثلَ بالنسبة للسواد الأعظم من الأصحّاء. ومع ذلك، يظلّ استشارة الطبيب ضروريًا في الحالات المړضية الخاصة لضمان اختيار الوضعية الأنسب لكل فرد.