زيادة بنسبة 64% في تدهور الصحة النفسية للأمهات الجدد

64% زيادة في تدهور الصحة النفسية للأمهات الجدد: أزمة صامتة في قلب الأسرة

مدخل إنساني: حين تحوّلت فرحة الولادة إلى صمتٍ ثقيل

في إحدى ليالي الشتاء الباردة، جلست "سارة"، أم شابة في الثلاثين من عمرها، تحتضن طفلها حديث الولادة بينما تغالب دموعها. تقول: "كنت أظن أنني سأكون أسعد امرأة في العالم، لكنني شعرت بالوحدة، بالخۏف، وكأنني غريبة في جسدي". لم تكن سارة وحدها. بل تمثل قصتها آلاف الأمهات الجدد اللواتي يواجهن تحديات نفسية صامتة، غالبًا ما تُهمّش أو تُفسّر على أنها "تقلبات طبيعية بعد الولادة".

سياق تاريخي: من التهميش إلى الاعتراف المتأخر

لطالما ارتبطت الأمومة في المخيال الجمعي بالرومانسية والټضحية، بينما تم تجاهل الجانب النفسي المعقّد لهذه المرحلة. حتى منتصف القرن العشرين، لم يكن يُعترف باكتئاب ما بعد الولادة كاضطراب نفسي مستقل. ومع تطور علم النفس والطب، بدأ الاعتراف التدريجي بأن الولادة ليست فقط حدثًا بيولوجيًا، بل تجربة نفسية عميقة قد تترك آثارًا طويلة الأمد.

الواقع اليوم: أرقام مقلقة تكشف عمق الأزمة

وفقًا لدراسة حديثة نُشرت ارتفع معدل صرف مضادات الاكتئاب بين الأمهات الجدد بنسبة 64% بعد جائحة كوفيد-19، مقارنة بالفترة التي سبقتها. وتُظهر البيانات أن النساء بين سن 18 و25 عامًا كنّ الأكثر تأثرًا، حيث ارتفع معدل صرف الأدوية بنسبة 60%، بينما بلغت الزيادة لدى المراهقات 130%.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدة من كل سبع نساء تعاني من اضطرابات نفسية بعد الولادة، لكن النسبة قد تكون أعلى بكثير في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث لا تتوفر خدمات دعم نفسي كافية.

شهادات من الواقع: أصوات من الظل

تقول "ليلى"، أم لطفلين من بيروت: "بعد ولادة ابنتي الثانية، بدأت أعاني من نوبات هلع، لكنني كنت أخجل من الحديث عنها. الجميع كان يتوقع مني أن أكون قوية وسعيدة". أما "نورا"، من القاهرة، فتضيف: "كنت أستيقظ كل ليلة وأنا أبكي دون سبب. لم أكن أكره طفلي، لكنني لم أستطع التواصل معه. شعرت بالذنب وكأنني أم سيئة".

من جهتها، تؤكد الدكتورة نادين الحاج، أخصائية الطب النفسي، أن "الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، خاصة لدى الأمهات، تجعل الكثيرات يترددن في طلب المساعدة، ما يؤدي إلى تفاقم الأعراض".

العوامل المؤثرة: حين تتقاطع الأمومة مع الأزمات

لا يمكن فصل تدهور الصحة النفسية للأمهات الجدد عن السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالجائحة، وما تبعها من عزلة اجتماعية، وضغوط اقتصادية، واڼهيار أنظمة الدعم التقليدية، ساهمت في تفاقم الأزمة. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام الأمن الوظيفي، وتراجع خدمات الرعاية الصحية، كلها عوامل تضغط على الأمهات في مرحلة هي أصلًا حساسة نفسيًا وبيولوجيًا.

في المجتمعات العربية، تلعب التوقعات الثقافية دورًا إضافيًا في تعقيد المشهد. فالصورة النمطية للأم "المثالية" التي لا تشتكي، ولا تتعب، تضع عبئًا نفسيًا هائلًا على النساء، وتمنعهن من التعبير عن معاناتهن.

تحليل الخبراء: بين الحاجة إلى الوقاية وتوسيع نطاق الدعم

يرى الدكتور كاو بينغ تشوا، أستاذ مساعد في طب الأطفال بجامعة ميشيغان، أن "الزيادة في صرف مضادات الاكتئاب تعكس أزمة حقيقية في الصحة النفسية للأمهات، لكنها لا تعني بالضرورة تحسنًا في الوصول إلى العلاج، بل قد تشير إلى غياب البدائل مثل العلاج النفسي أو الدعم المجتمعي".

من جهتها، تشير الدكتورة نيها تشودري، الطبيبة النفسية للأطفال والمراهقين، إلى أن "الوعي المتزايد بالصحة النفسية ساهم في تقليل الوصمة، لكننا ما زلنا بعيدين عن توفير رعاية شاملة ومتاحة للجميع".

وجهات نظر متباينة: هل الأدوية هي الحل؟

بينما يرى البعض أن وصف مضادات الاكتئاب هو خطوة إيجابية نحو الاعتراف بالمشكلة، يحذر آخرون من الاعتماد المفرط على الحلول الدوائية دون معالجة الجذور الاجتماعية والنفسية. تقول الدكتورة تشودري: "الأدوية قد تكون ضرورية في بعض الحالات، لكنها ليست بديلًا عن الدعم النفسي، والعلاج السلوكي، وبناء شبكات دعم مجتمعية".

نحو فهم أعمق: ما الذي تحتاجه الأمهات الجدد؟

تشير الدراسات إلى أن الأمهات الجدد يحتجن إلى:

دعم نفسي مبكر يبدأ من الحمل ويستمر بعد الولادة.

شبكات دعم اجتماعي تشمل الأسرة، الأصدقاء، والمجتمع.

إجازات أمومة مدفوعة تتيح للأمهات التفرغ دون قلق مالي.

خدمات رعاية صحية نفسية متخصصة يسهل الوصول إليها.

تثقيف مجتمعي يزيل الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية.

خاتمة: هل نستمع إلى صرخات الأمهات الصامتة؟

في ظل الأرقام المتزايدة، والشهادات المؤلمة، والتحديات المتعددة، لم يعد تدهور الصحة النفسية للأمهات الجدد قضية هامشية. بل هو مؤشر على خلل أعمق في فهمنا للأمومة، وفي أنظمتنا الصحية والاجتماعية.

فهل نملك الشجاعة لإعادة تعريف "الأم القوية"؟ هل نستطيع بناء مجتمعات تحتضن الأمهات بدلًا من محاكمتهن؟ وهل نمنح الأمهات الجدد الحق في أن يكنّ ضعيفات أحيانًا، دون أن يُنتقص من قيمتهن؟

أسئلة مفتوحة، تستحق أن تُطرح، وأن تُسمع.