منظمة الصحة العالمية تدعو لتحول عاجل في سياسات الصحة النفسية

منظمة الصحة العالمية تدعو إلى تحول عاجل وشامل في سياسات الصحة النفسية

في بيان رسمي صدر مؤخرًا، دعت منظمة الصحة العالمية إلى إجراء تحول عاجل في سياسات الصحة النفسية على مستوى العالم، مؤكدة على ضرورة تبنّي نهج شامل ومبني على حقوق الإنسان لتطوير أنظمة الرعاية النفسية، وذلك استجابة للثغرات العميقة التي تشوب السياسات والممارسات الحالية. ويأتي هذا النداء كجزء من سلسلة تحركات استراتيجية للمنظمة تهدف إلى إصلاح جذري للطرق التي تتبعها الدول في تقديم خدمات الصحة النفسية، سواء على مستوى التشريعات، أو تقديم الرعاية، أو تدريب الكوادر، أو تمويل القطاع.

أزمة صامتة تتطلب تحركًا عالميًا

تشير التقديرات الدولية إلى أن مئات الملايين حول العالم يعانون من اضطرابات نفسية، بينما لا يحصل أكثر من 70% منهم على أي نوع من أنواع العلاج أو الرعاية المناسبة. في بعض الدول، تصل هذه النسبة إلى 90%. يعود ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها نقص التمويل، والاعتماد الكبير على مؤسسات الطب النفسي التقليدية، وعدم وجود بدائل مجتمعية فعالة، فضلًا عن استمرار السياسات التمييزية التي تهمّش المرضى وتضعهم في عزلة اجتماعية ونفسية.

إضافة إلى ذلك، تلاحظ المنظمة أن معظم الحكومات لا تخصص أكثر من 2% من ميزانياتها الصحية الإجمالية للصحة النفسية، وتذهب هذه النسبة المحدودة غالبًا إلى تشغيل المستشفيات النفسية بدلاً من بناء خدمات مجتمعية قائمة على التمكين والدعم الشخصي. هذا التوجه، بحسب منظمة الصحة العالمية، لا يخدم التعافي طويل الأمد ولا يعالج المحددات الأساسية للصحة النفسية.

خمسة مجالات رئيسية للتغيير العاجل

أصدرت منظمة الصحة العالمية خارطة طريق جديدة تتضمن خمسة محاور استراتيجية رئيسية تهدف إلى إحداث التغيير المطلوب في سياسات وتشريعات الصحة النفسية:

أولًا: القيادة والحوكمة والمساءلة

تدعو المنظمة الحكومات إلى إنشاء هياكل وطنية قوية لإدارة ملف الصحة النفسية، بمشاركة جميع الجهات المعنية، وخاصة الأشخاص الذين لديهم خبرات شخصية في التعامل مع المړض النفسي. كما شددت على ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة في تصميم وتنفيذ السياسات، وضمان أن تكون هذه السياسات قائمة على مبادئ حقوق الإنسان.

ثانيًا: إصلاح نماذج تقديم الرعاية

تحث المنظمة على الانتقال من النموذج التقليدي المعتمد على الإقامة في المؤسسات الطبية إلى نموذج يركز على تقديم الخدمات المجتمعية الشاملة. يشمل ذلك إنشاء مراكز للصحة النفسية داخل الأحياء والمجتمعات، وتوفير خدمات استشارية منزلية، وتعزيز إدماج الرعاية النفسية ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية.

ثالثًا: تطوير الموارد البشرية

دعت المنظمة إلى تدريب فرق عمل متعددة التخصصات لتقديم خدمات نفسية متكاملة، بما يشمل الأطباء النفسيين، والأخصائيين الاجتماعيين، والمرشدين، والداعمين النفسيين. كما أوصت بإدخال دورات تدريبية متخصصة تركّز على المهارات الإنسانية والاتصال الفعّال، وتضمين تجارب من "الدعم النظير"، أي من أشخاص تعافوا من اضطرابات نفسية.

رابعًا: تعزيز الرعاية المرتكزة على الفرد والتعافي

أشارت المنظمة إلى أن تقديم الرعاية يجب ألا يقتصر على العلاجات الدوائية، بل ينبغي أن يشمل دعمًا نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، مع احترام اختيارات وخصوصية الفرد. ويتضمن هذا النهج دمج المرضى في عملية اتخاذ القرار بشأن العلاجات، وتمكينهم من تحديد أهدافهم الخاصة في مسار التعافي.

خامسًا: معالجة المحددات الاجتماعية والهيكلية

تؤكد المنظمة أن تحسين الصحة النفسية لا يتم فقط من خلال القطاع الصحي، بل يتطلب تدخلات على مستوى قطاعات أخرى مثل التعليم، والتوظيف، والسكن، والرعاية الاجتماعية. كما دعت إلى مكافحة التمييز والوصم الذي لا يزال يحيط بالمصابين بالأمراض النفسية في المجتمعات.

إصلاحات تشريعية: من الإلزام إلى المشاركة

واحدة من أبرز النقاط التي سلطت المنظمة الضوء عليها تتعلق بالتشريعات الوطنية. فقد طالبت بإعادة النظر في القوانين القديمة التي تسمح بإجراءات قسرية مثل الاحتجاز الإجباري أو العلاج بدون موافقة. وتحث التوجيهات الجديدة على اعتماد مبدأ "الدعم في اتخاذ القرار" عوضًا عن "الوصاية"، وتمكين الأفراد من التحكم بمساراتهم العلاجية.

كما شددت المنظمة على أهمية حماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للأشخاص الذين لديهم تجارب مع المړض النفسي، بما في ذلك حقهم في التعليم والعمل والزواج والسكن دون تمييز.

نهج مرن قابل للتطبيق في مختلف السياقات

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه التوصيات ليست نمطًا واحدًا يجب اتباعه، بل يمكن تكييفها بحسب قدرات وظروف كل دولة، سواء كانت من الدول ذات الدخل المرتفع أو المتوسط أو المنخفض. وتقدّم المنظمة دعمًا فنيًا واستشاريًا للدول الراغبة في تطوير خطط إصلاح شاملة، مع توفير نماذج ناجحة للتطبيق من مناطق مختلفة حول العالم.

الأثر المتوقع على الصحة العامة

بحسب الدراسات التي أوردتها منظمة الصحة العالمية، فإن التحول نحو نماذج الرعاية المجتمعية والإنسانية في الصحة النفسية يؤدي إلى تحسين جودة حياة المرضى، وتقليل معدلات الدخول المتكرر إلى المستشفيات، كما يساهم في تعزيز اندماج الأفراد المتعافين في سوق العمل والتعليم والحياة الاجتماعية.

كذلك، فإن إعادة توزيع الموارد من المؤسسات المغلقة إلى البرامج المجتمعية تؤدي إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية والإنفاق الذكي، وتدعم بناء منظومات مرنة في مواجهة الأزمات.

تصريحات ودعوات من مسؤولي الصحة العالمية

في تعليقه على المبادرة، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبرييسوس:

"رغم التقدم الذي شهدناه، لا يزال هناك طريق طويل أمامنا لضمان حصول الجميع على خدمات صحة نفسية تحترم الكرامة الإنسانية. إن هذه التوصيات تمثّل فرصة حقيقية لبناء أنظمة أكثر شمولًا وعدالة وفاعلية".

من جانبها، قالت الدكتورة ميشيل فانك، المسؤولة عن وحدة السياسات والتشريعات في الصحة النفسية لدى المنظمة:

"لقد صُممت هذه التوجيهات لتكون مرنة، ويمكن للدول تكييفها بحسب مواردها واحتياجاتها. لكن الأساس هو الالتزام بحقوق الإنسان كمبدأ غير قابل للتفاوض".

ما الذي يمكن فعله على المستوى الوطني؟

تشجع المنظمة الحكومات على اتخاذ خطوات ملموسة تشمل:

تشكيل لجان وطنية تضم ممثلين عن الجهات الحكومية والمجتمع المدني والأشخاص ذوي الخبرة.

إجراء مراجعة شاملة للتشريعات والسياسات الحالية.

تخصيص ميزانيات واضحة ومناسبة للصحة النفسية ضمن موازنات الصحة العامة.

تنفيذ برامج تدريب شاملة للكادر الصحي.

إنشاء آليات لرصد التقدم وقياس تأثير السياسات الجديدة على أرض الواقع.

نحو مستقبل أكثر إنسانية للصحة النفسية

يمثل هذا النداء من منظمة الصحة العالمية دعوة عالمية جادة للانتقال من النماذج العلاجية التقليدية نحو نماذج شاملة، مرنة، وإنسانية تضع الشخص في مركز الاهتمام. وقد حان الوقت، بحسب المنظمة، لأن تعيد الدول النظر جذريًا في كيفية تصميم وتنفيذ أنظمة الصحة النفسية، بما يضمن الكرامة والاحترام والتعافي الحقيقي لكل فرد يعاني من اضطرابات نفسية، بصرف النظر عن خلفيته الاجتماعية أو الاقتصادية.

إذا تم تبني هذه التوصيات بشكل جاد وفعّال، فإن العالم سيكون أقرب إلى بناء بيئة صحية نفسية أكثر عدالة، وأقرب إلى الإنسان، وقادرة على تقديم الأمل والدعم لا العقاپ والعزلة.