تطبيق صوتي يقيس إجهادك من نبرة الحديث اليومية

في السنوات الأخيرة، شهدت تقنيات الهواتف الذكية تطوراً كبيراً في استخدام مكبرات الصوت كأدوات لجمع بيانات صحية مختلفة، بدلاً من دورها التقليدي في إخراج الصوت فقط. هذا التوجه البحثي الجديد يُعد ثورة في عالم الصحة الرقمية، حيث تمكَّن فرق بحثية من تحويل الهاتف الذكي إلى جهاز تشخيص طبي متنقل، قادر على قياس وظائف الجسم ورصد الحالة النفسية للمستخدم من خلال نبرة صوته.

أحد أبرز هذه التطبيقات هو «سبيرو سمارت» الذي طوره فريق من جامعة «واشنطن» في مدينة «سياتل» الأمريكية، وهو تطبيق مخصص لهواتف «آيفون» ويهدف إلى قياس وظائف الرئة بطريقة غير مباشرة، مستفيداً من خصائص الصوت الناتجة أثناء الزفير. يعمل التطبيق على محاكاة جهاز قياس التنفس الطبي المعروف باسم «السبيرومتر»، والذي يستخدمه الأطباء لتشخيص أمراض مثل الربو، الانسداد الرئوي المزمن، والتليف الكيسي، عن طريق قياس كمية الهواء التي تخرجها الرئتان.

ما يجعل «سبيرو سمارت» مميزاً هو أنه يوفر حلاً اقتصادياً وسهلاً يمكن استخدامه في المنزل، ما يتيح للمرضى مراقبة حالتهم الصحية ومعرفة أي تغيرات قد تشير إلى تفاقم المړض قبل الذهاب للطبيب، دون الحاجة إلى شراء أجهزة طبية باهظة الثمن تتجاوز تكلفتها آلاف الدولارات. وشرح الباحث «شويتك باتيل» أن الفريق استخدم برنامجاً ذكياً لتحليل الخصائص الصوتية الناتجة عند الزفير، مثل درجة الرنين والاهتزازات الصوتية داخل القصبة الهوائية والحبال الصوتية.

وبعد اختبار التطبيق مقارنة بالجهاز الطبي المستخدم في المستشفيات، أظهرت نتائجه دقة عالية جداً تقارب تلك النتائج الطبية. حالياً، يتم اختبار التطبيق مع مرضى الربو المزمن والانسداد الرئوي لمعرفة مدى فعاليته في التشخيص المبكر. ومن المنتظر أن يحصل التطبيق على موافقة «إدارة الغذاء والدواء» الأمريكية نهاية العام الجاري ليتم تصنيفه كجهاز طبي معتمد.

وفي تجربة أخرى مبتكرة، استفاد فريق بحثي من جامعة «فيرجينيا» من مكبرات الصوت في الهواتف الذكية لقياس نبضات القلب . وقد قام الفريق بتطوير سماعة معدَّلة تحتوي على مؤشر تسارع (Accelerometer) ومكبرات صوت إضافية، تلتقط معدل نبضات القلب وتترجمها إلى بيانات يمكن تحليلها. هذه البيانات تُرسل إلى الهاتف عبر منفذ السماعات، حيث يقوم تطبيق باسم «ميوزيكال هيرت» بتحليل معدل النبض واقتراح الموسيقى الملائمة بناءً على الحالة الجسدية والعاطفية للمستخدم.

على سبيل المثال، إذا كان المستخدم يمارس رياضة الجري، فإن التطبيق يقترح عليه أغنيات ذات إيقاع سريع لتحفيزه، بينما يختار موسيقى هادئة عندما يكتشف أن المستخدم متوتر أو يحتاج إلى الاسترخاء. ويأمل أحد الباحثين، جون ستانكوفيك، في توسيع نطاق المشروع بالتعاون مع أطباء التخدير لاستخدام الموسيقى كوسيلة لتخفيف التوتر لدى المرضى قبل العمليات الجراحية، كبديل أو دعم للأدوية المهدئة. كما يعمل الفريق على تحسين مكتبات الصوت لتصنيف أنماط صوتية معينة، مثل السعال أو تغيرات التنفس، كمؤشرات أولية لأمراض معينة أو حالات نفسية مثل الاكتئاب.

أما في مجال رصد الإجهاد النفسي ، فقد عملت الباحثة «تنظيم تشودري» وزملاؤها في جامعة «كورنيل» على تطوير تطبيق آخر باسم «ستريس سينس» ، وهو تطبيق مخصص لأجهزة «أندرويد» بهدف قياس مستوى التوتر لدى المستخدم من خلال تحليل نبرة الصوت. وكما هو معروف، فإن تعرض الإنسان للإجهاد يؤدي إلى تغييرات دقيقة في تردد الصوت، وسرعة الكلام، ووضوح النطق.

ما يميز «ستريس سينس» هو أنه لا يقوم بتسجيل المحادثات أو تحليل محتواها، بل يعتمد على تحليل المؤشرات الصوتية العامة مثل شدة الصوت، التردد، ومعدل الكلام. كما أن التطبيق مصمم ليتعلم مع الوقت خصائص صوت المستخدم، مما يعزز دقة التشخيص. ومع ذلك، لا يزال التطبيق في مرحلة التطوير، وهناك أسئلة قائمة حول كيفية تعامله مع الطرق المختلفة التي يتبعها الأفراد في إدارة التوتر، بالإضافة إلى تحدياته في العمل ضمن بيئات مزدحمة بالأصوات.

باختصار، هذه الأبحاث تُظهر كيف يمكن للهواتف الذكية، التي كانت مجرد أدوات للتواصل، أن تتحول إلى أدوات تشخيصية متقدمة، قادرة على قياس وظائف الجسم وفهم الحالة النفسية للمستخدم. ومع استمرار تطوير هذه التقنيات، قد نشهد في المستقبل القريب هواتفاً ذكية تلعب دوراً محورياً في الرعاية الصحية الوقائية، مما يقلل من الاعتماد على الفحوص الطبية المعقدة ويجعل الرعاية الصحية أكثر سهولة وقرباً من المواطن العادي.