دراسة تربط النوم المفرط بضعف الذاكرة لدى البالغين

هل كثرة النوم تؤثر على ذاكرتك؟ دراسة تقول: نعم، وربما أكثر مما تعتقد!
عندما نسمع عن مشاكل النوم، غالبًا ما نفكر في قلة النوم. لكن ماذا عن الطرف الآخر من المعادلة؟ ماذا لو كنت تنام كثيرًا؟ هل هو أمر جيد أم قد يضر أكثر مما ينفع؟ دراسة جديدة تقول إن النوم لفترات طويلة قد يكون مرتبطًا بتراجع في الذاكرة والوظائف المعرفية لدى البالغين، خصوصًا كبار السن.

في هذا المقال، نلقي نظرة على أحدث ما توصّلت إليه الأبحاث حول تأثير النوم المفرط على الذاكرة، ونستعرض التفسيرات العلمية، والعوامل المتداخلة، وما الذي يمكن فعله لحماية صحة الدماغ مع التقدّم في العمر.

النوم: لا كثير ولا قليل… الأفضل في المنتصف
في السنوات الأخيرة، ركّزت الأبحاث العلمية على العلاقة بين مدة النوم والصحة العامة، وخاصة القدرات المعرفية. وتشير عدة دراسات إلى أن النوم لفترات "متوسطة" – ما بين 7 إلى 9 ساعات في الليلة – هو الأفضل للوظائف العقلية، خاصة الذاكرة.

لكن دراسة صينية حديثة، شملت أكثر من 28 ألف شخص، وجدت أن من ينامون أكثر من 10 ساعات أو أقل من 6 ساعات يوميًا يواجهون تراجعًا واضحًا في القدرة على التذكّر. الفئة التي سجّلت أفضل نتائج في اختبارات الذاكرة كانت تلك التي تنام 7 إلى 8 ساعات يوميًا. ومن المفارقات أن من ينامون أكثر كانوا في نفس مستوى من ينامون أقل – وكأن كلا الطرفين على حدّ سواء من حيث الأثر السلبي.

كبار السن والنوم الطويل: خطړ خفي
الوضع يصبح أكثر وضوحًا كلما تقدم العمر. في دراسة طويلة الأمد أجريت على أكثر من 4,900 شخص فوق سن الستين، وجد الباحثون أن النوم لأكثر من 9 ساعات ليلًا، أو أخذ قيلولة طويلة (أكثر من ساعتين)، كان مرتبطًا بانخفاض معرفي ملحوظ. والأسوأ من ذلك، أن احتمالات الإصابة بالخرف كانت أعلى بنسبة تصل إلى 80% لدى هؤلاء، مقارنة بمن ينامون عدد ساعات معتدل.

تفسير هذه الظاهرة لا يزال قيد البحث، لكن من المرجّح أن النوم الطويل لا يعني بالضرورة نومًا جيدًا. فربما ينام الشخص كثيرًا لأن نومه خفيف أو متقطع، أو ربما يعاني من مشاكل صحية مزمنة تجعله بحاجة لراحة أطول، مما يشير إلى خلل أعمق في الجسم.

ما الذي يحدث في الدماغ تحديدًا؟
العلماء يعتقدون أن النوم الطويل، مثل قلة النوم، قد يخلّ بالتوازن العصبي الضروري لوظائف الدماغ. أثناء النوم العميق، يقوم الدماغ بترتيب المعلومات، وتخزين الذكريات، وتنظيف الخلايا من البروتينات الضارة مثل بيتا-أميلويد، التي ترتبط بمرض الزهايمر. لكن إذا طال النوم أكثر من اللازم، قد يتوقف الدماغ عن أداء بعض هذه المهام بفعالية.

كما أن النوم الزائد قد يؤثر على إيقاع الساعة البيولوجية في الجسم، مما يؤثر بدوره على التركيز والانتباه وسرعة الاستجابة الذهنية. وبمرور الوقت، تتدهور هذه الوظائف شيئًا فشيئًا دون أن نلاحظ.

القيلولة... راحة أم ټهديد؟
الكثير من الناس يحبون القيلولة، خاصة مع التقدّم في السن.  خصوصًا تلك التي تتجاوز الساعة أو الساعتين، قد تكون مؤشرًا على تعب مزمن أو حتى بداية اضطرابات معرفية.

دراسات من الصين وأوروبا تشير إلى أن الأشخاص الذين يأخذون قيلولات طويلة يوميًا يسجلون نتائج أضعف في اختبارات التذكّر والتركيز، مقارنة بمن لا ينامون نهارًا أو يأخذون قيلولة قصيرة فقط.

هل يمكن اعتبار النوم المفرط "علامة خطړ"؟
الإجابة غالبًا: نعم.

النوم الزائد لا يعني بالضرورة أنك تستمتع براحة أكثر. بل على العكس، قد يكون علامة على أن شيئًا ما ليس على ما يرام في جسمك أو دماغك. ربما جودة نومك في الليل سيئة، أو تعاني من اكتئاب غير مشخص، أو حتى بدايات فقدان في الذاكرة. لذلك، إن لاحظت أنك تنام أكثر من المعتاد دون أن تشعر بتحسن، فقد يكون الوقت قد حان لاستشارة الطبيب.

ما الذي يمكن فعله لحماية ذاكرتك؟
لحسن الحظ، هناك عدة خطوات بسيطة وفعالة يمكن اتخاذها للحفاظ على صحة الدماغ والذاكرة، خاصة مع التقدّم في العمر:

التزم بجدول نوم منتظم – النوم في وقت ثابت يوميًا يساعد على استقرار الساعة البيولوجية.

قلّل من القيلولة الطويلة – وحاول ألا تتجاوز 30 دقيقة إن أمكن.

راقب نوعية نومك، وليس فقط كمېته – إذا استيقظت متعبًا بعد 9 ساعات نوم، فربما المشكلة في جودة النوم، لا مدته.

مارس نشاطًا بدنيًا منتظمًا – حتى المشي اليومي له تأثير واضح على جودة النوم وصحة الدماغ.

تحدَّى دماغك باستمرار – القراءة، الألعاب الذهنية، تعلم مهارات جديدة، كلها تمارين عقلية تحافظ على قوة الذاكرة.

الخلاصة: لا تكثر ولا تُفرّط
النوم ضروري... لكنه مثل أي شيء آخر في الحياة، يجب أن يكون باعتدال. ليس النوم الكثير رفاهية، بل قد يكون خطرًا صامتًا ېهدد ذاكرتك على المدى الطويل. فكر في النوم كأداة لإعادة شحن عقلك – إن استخدمتها باعتدال، ستفيدك. وإن أفرطت، ربما تحترق البطارية بدلاً من أن تُشحن.

وإذا لاحظت أن نومك يزداد دون سبب واضح، لا تهمله. أحيانًا تكون الإشارات البسيطة مثل "أشعر أنني أنام كثيرًا هذه الأيام" هي ما يُنقذك قبل أن تبدأ ذاكرتك بالتراجع.