مريم الملا تتحدث عن تمكين الشباب في قمة الإعلام العربي

مريم الملا في قمة الإعلام العربي: تمكين الشباب ليس شعارًا بل خارطة طريق للفعل

في خضمّ الحوارات والجلسات التي شهدتها قمة الإعلام العربي الأخيرة، برز صوتٌ شابٌّ مميّزٌ حمل رؤيةً ثاقبةً وتحديدًا عمليًا لقضية محورية: تمكين الشباب في قطاع الإعلام. لم تكن الكاتبة والإعلامية البحرينية مريم الملا مجرد متحدثة عابرة، بل كانت تجسيدًا حيًا لهذا التمكين ذاته، مقدّمةً رؤيةً تتجاوز الشعارات الرنّانة لتلامس صلب التحديات وتقدّم حلولًا قابلة للتطبيق.

لم تكتفِ مريم، التي تُعدّ نفسها نتاجًا لفرص التمكين وثمرةً للإيمان بالطاقات الشابة، بسرد النجاحات أو التغني بإمكانيات الشباب. بدلاً من ذلك، شخّصت الواقع بجرأة، مؤكدةً أن تمكين الشباب ليس مجرد "كوتا" عددية أو منصات رمزية. إنه عملية معقدة تتطلب تحولاً جوهريًا في الثقافة المؤسسية وآليات صنع القرار.

رؤية مريم: ركائز التمكين الحقيقي التي تميّز حديثها

من "المُستمع إليه" إلى "صانع القرار": شدّدت مريم على أن التمكين الفعلي يبدأ عندما ينتقل الشباب من دور المتلقي أو المنفذ إلى قلب دائرة صنع القرار الإعلامي. هذا يتطلب أكثر من استشارات عابرة؛ بل يحتاج إلى إشراك حقيقي في وضع الاستراتيجيات، وتصميم المحتوى، وإدارة المشاريع، وقيادة الفرق. "الشباب ليسوا مجرد مستقبل الصناعة؛ هم حاضرها الحيوي الذي يمتلك أدوات فهم وتشكيل الراهن"، كما ألمحت.

المسؤولية المشتركة: مؤسسات + أفراد: قدمت مريم منظورًا متوازنًا. فبينما تطالب المؤسسات الإعلامية التقليدية والجديدة بفتح الأبواب، وخلق مسارات وظيفية واضحة، وتوفير التدريب النوعي والموارد، وتقبّل الأفكار الجريئة حتى لو كانت تخالف المألوف، فإنها في المقابل تحدّثت عن مسؤولية الشباب أنفسهم. تمكين الذات من خلال التعلّم المستمر، وإتقان المهارات التقنية والفكرية (مثل التحقق من المعلومات، وفهم أخلاقيات الإعلام، والتميز في سرد القصص)، وبناء الشبكات المهنية، وإثبات الجدية والالتزام، هي عناصر لا غنى عنها. "التمكين ليس منحة، بل هو شراكة تستحقها الكفاءة وتصنعها الإرادة".

الاستثمار في المهارات المستقبلية وريادة المحتوى: توقعت مريم أن مستقبل الإعلام سيكون لمن يمتلكون مهارات تتجاوز الكتابة التقليدية. فهم عميق لبيانات الجمهور، إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخدامه بمسؤولية وأخلاق، إنتاج محتوى تفاعلي وجذاب عبر منصات متعددة (بودكاست، فيديوهات قصيرة، تقارير غامرة)، ريادة المشاريع الإعلامية المستقلة والناشئة – هذه هي المهارات التي حثّت الشباب على تملكها وحثّت المؤسسات على الاستثمار فيها وتطويرها داخليًا.

الثقة: الجسر بين الإمكانية والإنجاز: رأت مريم أن الحلقة المفقودة غالبًا ما تكون الثقة. ثقة المؤسسات في قدرات الشباب على تحمل المسؤولية وإدارة المشاريع المعقدة، وثقة المجتمع في أصواتهم الجديدة وأدواتهم التعبيرية المبتكرة، والأهم، ثقة الشباب بأنفسهم وبقدرتهم على إحداث فرق وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي. بناء هذه الثقة يتطلب نماذج نجاح ملموسة (مثل تجربتها هي شخصيًا) وبيئة داعمة تسمح بالخطأ والتعلّم منه.

تسليط الضوء على التحديات غير المُعلنة: تجاوزت مريم التحديات الظاهرة مثل نقص الفرص أو الموارد. تحدثت عن تحديات أعمق:

المقاومة الثقافية داخل المؤسسات: الخۏف من التغيير، التمسك بالهرمية الصارمة، عدم تقبّل الأفكار التي تخرج عن النمط التقليدي.

فجوة الأجور وعدم المساواة: خاصة بين الجنسين أو بين الخريجين الجدد وذوي الخبرة القليلة مقارنة بمن هم في مناصب قيادية.

ضبابية المسارات الوظيفية: غياب خطط التطوير الواضحة داخل العديد من المؤسسات.

الضغط النفسي والاحتراق: في بيئة العمل الإعلامي السريعة والمليئة بالتحديات، خاصة مع غياب آليات الدعم النفسي والمهني الكافية للشباب.

مريم الملا: نموذجًا لا مجرد ناصحًا

ما أعطى كلمات مريم مصداقية وقوة هو أنها لم تأتِ من برج عاجي. مسيرتها نفسها، من كاتبة شابة إلى إعلامية مؤثرة لها بصمتها في المشهد الثقافي والإعلامي

خارطة طريق نحو تمكين فعّال: ما بعد الكلام

لم تكتفِ مريم بالتشخيص، بل قدّمت ملامح لـ خارطة طريق عملية:

لمؤسسات الإعلام: إنشاء برامج تمهيدية (إعداد قادة شباب)، تخصيص ميزانيات للتدريب المتقدم في المهارات الرقمية والتحليلية، إشراك الشباب في فرق التخطيط الاستراتيجي، تبني سياسات واضحة للترقي القائم على الكفاءة، خلق مساحات آمنة للتجريب والابتكار (مع تحمل مخاطره المحسوبة).

للشباب الطموح: التركيز على بناء محفظة أعمال (Portfolio) قوية تعكس مهاراتهم وأفكارهم بدلاً من الاعتماد فقط على الشهادات، البحث عن فرص التدريب العملي والمشاريع الجانبية (Side Projects)، بناء شبكة علاقات مهنية قوية، تطوير مهارات التعلّم الذاتي، والمطالبة بحقوقهم المهنية بثقة واحترافية.

لمؤسسات التعليم والجهات الداعمة: تطوير مناهج إعلامية تواكب العصر، التركيز على الجانب العملي والتطبيقي، دعم وتمويل المشاريع الإعلامية الشبابية الناشئة، تنظيم مسابقات وهاكاثونات للإبداع الإعلامي.

الخاتمة: تمكين الشباب.. استثمار في صميم المستقبل

حديث مريم الملا في قمة الإعلام العربي لم يكن مجرد كلمات طُبّقت عليها تقنيات إعادة الصياغة؛ كان نداءً عميقًا للفعل. لقد حوّلت مفهوم "تمكين الشباب" من شعار مكرور إلى مشروع وطني وإقليمي عاجل لضمان مستقبل إعلامي حيوي، متنوع، وقادر على مواكبة التحولات الهائلة. أكدّت أن الاستثمار في الشباب ليس عملًا خيريًا، بل هو استثمار في رأس المال الأثمن: العقول المبدعة والطاقات القادرة على قيادة التغيير وإعادة تعريف معنى الإعلام ذاته. نجاح هذا المشروع مرهون بتحوّل الرؤية إلى التزام مؤسسي، وباستعداد الشباب لتحمل مسؤولية تمكين أنفسهم، وبخلق بيئة داعمة تقوم على الثقة المتبادلة والشراكة الحقيقية. قمة الإعلام العربي كانت منبرًا، والآن حان وقت التنفيذ على أرض الواقع، حيث يكون الشباب ليسوا مجرد مستقبل الإعلام العربي، بل هم مهندسوه في الحاضر.