اكتشاف نوع جديد من السكري: النوع الخامس

في تطور وُصف بالتاريخي، أعلن الاتحاد الدولي للسكري (IDF) عن الاعتراف رسميًا بوجود نوع جديد من داء السكري، أُطلق عليه اسم النوع الخامس أو ما يُعرف علميًا بـ سكري النضج المبكر لدى الشباب (MODY).

 ويُعد هذا الإعلان علامة فارقة في فهم وتفسير حالات غامضة من المړض، طالما حيّرت الأطباء حول العالم لعقود.

ما هو النوع الخامس من السكري؟

النوع الخامس من السكري ليس كغيره من الأنواع المعروفة، مثل النوع الأول المرتبط بمناعة الجسم، أو النوع الثاني الناتج عن السمنة ونمط الحياة غير الصحي.

 هذا النوع يُصيب المراهقين والشباب النحفاء، وغالبًا ما يكون سببه الرئيسي سوء التغذية المزمن، وليس زيادة الوزن أو قلة الحركة كما هو الحال في الأنواع الأخرى.

ويشير الخبراء إلى أن هذا النوع يسبب انخفاضًا حادًا في إنتاج الأنسولين، نتيجة خلل في خلايا البنكرياس، تحديدًا خلايا بيتا المسؤولة عن إفراز الأنسولين في الډم. وتشير التقديرات الأولية إلى أن هذا النوع قد يكون مسؤولًا عن إصابة نحو 25 مليون شخص حول العالم، معظمهم يعيشون في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

الاعتراف العالمي: خطوة نحو العلاج

جاء الاعتراف بهذا النوع رسميًا خلال المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي للسكري الذي عُقد في بانكوك، تايلاند، بتاريخ 8 أبريل 2025، بعد سنوات طويلة من البحث والنقاش الطبي الحاد.

 وقد صوتت الهيئات العلمية على تصنيفه كنوع مستقل بعد تقديم الأدلة السريرية والبحثية التي تُثبت اختلافه الجوهري عن الأنواع المعروفة سابقًا.

وقالت الدكتورة ميريديث هوكينز، أستاذة الطب في كلية ألبرت أينشتاين الأمريكية، والتي لعبت دورًا محوريًا في الكشف عن هذا المړض:

داء السكري المرتبط بسوء التغذية كان لفترة طويلة غير مشخّص بشكل كافٍ، وكان يُساء فهمه في الأوساط الطبية. الاعتراف به كنوع خامس هو خطوة مفصلية في تاريخ الطب، لأنه يفتح المجال لأبحاث موجهة وعلاج فعّال ينقذ أرواح آلاف المرضى.

وأوضحت هوكينز أن التشخيص الخاطئ للمرض كان يُؤدي إلى علاج غير مناسب وخطېر. وقالت:

المړيض يبدو ظاهريًا وكأنه مصاپ بالنوع الأول: نحيف، شاب، ويعاني من ارتفاع في السكر.

 لكن المفاجأة أن استخدام الأنسولين لا يُجدي نفعًا معه، بل قد يكون قاتلًا.

متى بدأ اكتشاف هذا النوع؟

بدأت رحلة البحث في هذا النوع الغامض من السكري في عام 2010، عبر معهد أينشتاين العالمي للسكري، حيث لاحظ الأطباء وجود حالات لا تتوافق مع التصنيفات التقليدية للمرض.

 ووفقًا لهوكينز، فقد تم التوصل في عام 2022 إلى نتائج سريرية تؤكد أن هذا الشكل من السكري مختلف كليًا من حيث الأسباب والآليات المړضية والاستجابة للعلاج، ما مهّد الطريق للاعتراف الرسمي به بعد ثلاث سنوات من تلك الاكتشافات.

وأضافت هوكينز:

الآن، وبعد هذا الاعتراف الدولي، نحن أمام فرصة حقيقية لإجراء أبحاث موسعة وتطوير علاجات مخصصة لهذا النوع، بعيدًا عن الأطر التقليدية التي أثبتت فشلها في التعامل معه.

مخاطر العلاج الخاطئ

من جانبه، شدد البروفيسور نيهال توماس، أستاذ الغدد الصماء في كلية الطب المسيحية في الهند وعضو فريق العمل المختص بالسكري من النوع الخامس، على أن أخطر ما في هذا النوع هو تشخيصه الخاطئ، إذ يُعتقد في كثير من الأحيان أنه من النوع الأول، ما يدفع الأطباء إلى إعطاء الأنسولين بجرعات عالية.

وأوضح توماس:

الخلل الأساسي في هذا المړض يكمن في وظيفة خلايا بيتا، وليس في المناعة الذاتية. 

لذا، فإن إعطاء الأنسولين بشكل تقليدي كما في النوع الأول يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حاد وممېت في مستوى السكر في الډم، وهو ما يزيد من تعقيد الحالة وېهدد حياة المړيض.

وأكد توماس أن الاعتراف الرسمي سيساهم في تطوير بروتوكولات تشخيص جديدة، تُراعي السياق الغذائي والاجتماعي للمريض، وتستند إلى فهم دقيق لطبيعة المړض وأسبابه الجذرية.

أثر عالمي وإمكانات علاجية جديدة

ويأمل العلماء أن يُسهم هذا الاعتراف الدولي في توجيه الأنظار نحو الفئات المهمشة صحيًا، خاصةً في الدول النامية، حيث يعاني كثير من الأطفال والمراهقين من سوء التغذية لأسباب اقتصادية واجتماعية.

 إذ أن غياب الغذاء المتوازن في مرحلة الطفولة قد يكون العامل المحوري في تطور هذا النوع من السكري.

كما يُتوقع أن يُطلق الاعتراف موجة من الأبحاث الدوائية والسريرية لإيجاد بدائل عن الأنسولين لهؤلاء المرضى، مثل مكملات غذائية علاجية أو محفزات طبيعية لإنتاج الأنسولين دون الإضرار بوظائف الكبد والكلى.

خاتمة: بداية عصر جديد في علاج السكري

يُعد هذا الاعتراف العالمي لحظة فاصلة في تاريخ مكافحة داء السكري، لأنه لا يكتفي بتوسيع التصنيفات الطبية، بل يحمل أبعادًا إنسانية وصحية عميقة، إذ يُعيد الأمل لملايين المرضى الذين عانوا من التشخيص الخاطئ والمعاناة الصامتة.

إن اكتشاف النوع الخامس من السكري لا يُعد فقط انتصارًا علميًا، بل صړخة وعي تُحتم على الأنظمة الصحية العالمية التحرك بسرعة لتوفير أدوات تشخيص دقيقة وعلاجات آمنة للفئات الأكثر هشاشة، لأن السكري لم يعد مرضًا واحدًا، بل عالماً متنوعاً يحتاج إلى فهم أعمق واحتواء أوسع.