تقنية جديدة لتجويع الأورام بالخلايا الدهنية المعدلة

تعتمد التقنية الجديدة على استخدام الخلايا الدهنية المعدلة وراثيًا لتحويلها إلى خلايا “بيج” متعطشة للطاقة، مما يؤدي إلى استنزاف التغذية المتاحة للأورام وبالتالي تجويعها ومنع نموها. تمّ تحقيق ذلك عبر تحرير جيني CRISPR لتفعيل جين UCP1 في الخلايا الدهنية البيضاء، مما حولها إلى خلايا بيج تستهلك كميات كبيرة من السعرات الحرارية لإنتاج الحرارة، فتتنافس مع الخلايا السړطانية على الموارد الغذائية وتؤدي إلى انكماش الورم في نماذج حيوانية وفي مزارع خلايا بشړية. أظهرت الدراسات الأولية قدرة هذه الخلايا على مكافحة أنواع متعددة من السرطانات بما في ذلك سړطان الثدي والبنكرياس والبروستات، كما تبيّن إمكانية تكييف هذه الخلايا لتستهدف مغذيات محددة يفضلها الورم مثل الأوريدين في بعض سرطانات البنكرياس. إنّ هذه التقنية، المنشورة في دورية Nature Biotechnology في 4 فبراير 2025، تمثل استراتيجية خلايا علاجية واعدة قد تفتح آفاقًا لعلاج أقل سمية وأكثر دقة في المستقبل.

مقدمة

كانت فكرة استخدام الخلايا الدهنية في مجال علاج السړطان مستوحاة من الملاحظات الأولية التي ربطت بين التعرض للبرد وتحفيز الخلايا الدهنية البُنّية (البنية) في الجسم، مما أحدث تأثيرًا مكبِّتًا على نمو السړطان في الفئران وأوضحت حالات سريرية محدودة لهذا الأثر في مرضى اللمفوما غير هودجكينية.
إلا أنّ المعالجة بالبرد ليست عملية أو آمنة بالضرورة للمرضى الذين يعانون من حالات صحية هشة، ما دفع الباحثين إلى استنباط طريقة لاستنساخ تأثير الخلايا البُنّية دون الحاجة للبرد.
في إطار ذلك، ركّزت أبحاث جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو (UCSF) على تحويل الخلايا الدهنية البيضاء إلى خلايا “بيج” ذات قدرة استقلابية عالية عبر تفعيل جين UCP1 باستخدام تقنية تحرير الجينات CRISPR.
تم نشر نتائج هذه الدراسة في دورية Nature Biotechnology بتاريخ 4 فبراير 2025، مما فتح آفاقًا جديدة باستخدام الخلايا الدهنية كعلاج خلوي موجه ضد السړطان.

آلية العمل

تحويل الخلايا الدهنية البيضاء إلى خلايا بيج

يعتمد الأساس على جين يو سي بي 1 (UCP1) الذي يكون خامدًا في الخلايا الدهنية البيضاء ولكنه نشط في الخلايا الدهنية البُنّية، حيث يساهم في التخلص من الطاقة عبر الحرارة بدلًا من تخزينها الدهون.
باستخدام CRISPR تم تحرير جين UCP1 بحيث يتم إنتاجه بشكل مستمر في الخلايا الدهنية البيضاء، فتتغير إلى خلايا “بيج” تتمتع بقدرة عالية على حړق السعرات الحرارية وإنتاج الحرارة بصورة دائمة دون الحاجة للتعرض للبرد.
تخلق هذه الخلايا بيئة تنافسية حادة على الغذاء في الأنسجة المحيطة، فتستنزف الجلوكوز والدهون والعناصر الغذائية الأخرى، مما يؤدي إلى تجويع الخلايا السړطانية ونقص مواردها للنمو والانقسام.

منافسة المغذيات المستهدفة

أظهرت التجارب أنّ لكل سړطان “حمية” مفضلة؛ فبعض سرطانات البنكرياس، على سبيل المثال، تعتمد على الأوريدين عندما يقل توفر الجلوكوز.
بناءً على ذلك، تم برمجة الخلايا البيج لتستهلك الأوريدين فقط في حالة سرطانات البنكرياس، مما أدى إلى تفوّق الخلايا البيج في الاستحواذ على المورد الغذائي المفضل للسړطان، وبالتالي حرمان الورم ومكافحة نموه بكفاءة.

التجارب قبل السريرية

دراسات المختبر (In Vitro)

في تجربة “Trans-well” وضع الباحثون خلايا بيج المعدلة في الجزء العلوي من البئر وخلايا السړطان المتنوعة (سړطان الثدي، القولون، البنكرياس، البروستات) في الجزء السفلي مع وجود حائل يسمح بتبادل المغذيات فقط.
تبيّن أنّ الخلايا السړطانية فشلت في النجاة مقارنةً بالخلايا العادية، حيث نُفذت معظم خلية السړطان بسبب نقص الغذاء الذي استنزفته الخلايا البيج بسرعة فائقة.
كما أظهرت تجارب مشابهة باستخدام أعضاء ديسانية (organoids) لسرطانات الثدي والبنكرياس والبروستات أنّ الخلايا البيج قصمت شوكة السړطان، وكانت فعالة أيضًا في البيئات المماثلة للإنسان على صعيد المختبر.

دراسات نماذج الفئران (In Vivo)

عندما زرع الباحثون الخلايا البيج المعدلة جنبًا إلى جنب مع الأورام في الفئران، انكمش حجم الأورام لدى الثدي والبنكرياس والبروستات بشكل ملحوظ.
في نماذج الفئران المعدلة وراثيًا والموالية لتطوير أورام البنكرياس والثدي بصورة تلقائية، أثبتت الخلايا البيج فعاليتها في إبطاء نمو الأورام حتى عندما زُرعت بعيدًا عن موقع الورم الأصلي، ما يدلّ على قدرتها على التأثير بعيدًا عن موقع الزرع المحلي عبر سحب المغذيات من الدورة الدموية.
تعاون الباحثون مع جراحين متخصصين في سړطان الثدي لاختبار الخلايا البيج المعدلة على عينات بشړية مأخوذة من عمليات استئصال سړطان الثدي، حيث جرى استخراج الخلايا الدهنية من نفس المړيض وتعديلها قبل إعادة اختبارها على الأورام الخاصة به، فكانت النتيجة مجددًا حرمان الخلايا السړطانية من الغذاء وفشلها في النمو بفعالية.

التطبيقات المستقبلية والتحديات

يمكن أن تُستخدم هذه التقنية كعلاج خلوي داعم للعلاجات التقليدية مثل الجراحة والعلاج الكيميائي، إذ قد تساعد على تقليل حجم الورم قبل الجراحة أو منع الانتكاس بعد العلاج الأساسي.
من المتوقع أن تسهل الإجراءات الجراحية المألوفة الخاصة بزراعة الشحوم (كالسحب والحقن) نقل الخلايا البيج إلى مواقع قريبة من الورم، مما يسرّع احتمالية تطبيقها سريريًا دون الحاجة لتصميم أنظمة توصيل معقدة.
ومع ذلك، لا يزال يتعين دراسة السلامة طويلة المدى لهذا العلاج، حيث يجب التأكد من قدرة الخلايا المعدلة على البقاء والتحكم في استهلاكها الغذائي دون التسبب في آثار جانبية مثل كسْب الطاقة الزائد للأنسجة الطبيعية.
كما يجب التحقق من عدم تعزيز بيئات التهابية غير مرغوبة أو التأثير على الجهاز المناعي بطرق سلبية، خصوصًا في السرطانات التي تكون مرتبطة باستجابات التهابية معقدة .

خاتمة

تمثل تقنية استخدام الخلايا الدهنية المعدلة وراثيًا لإنقاص التغذية المغذية للأورام نقلة نوعية في مجال الطب الخلوي لعلاج السړطان، إذ توفر طريقة مبتكرة وقابلة للتخصيص لاستهداف أنواع متعددة من الأورام عبر تجويعها من الموارد الغذائية الضرورية لنموها.
ستكون المرحلة المقبلة التركيز على الدراسات السريرية المبكرة للتأكد من سلامة وفعالية هذه الطريقة في البشر، إضافة إلى بحث سبل دمجها مع العلاجات التقليدية لتحقيق أفضل النتائج وتقليل السمية.