انطلاق فعالية حلب مفتاح النصر

حلب مفتاح النصر.. حين تنهض المدن من تحت الرماد وتكتب التاريخ بأهلها

لم تكن حلب يوماً مدينة عابرة في ذاكرة السوريين. كانت دائماً أكثر من مجرد جغرافيا: كانت الحياة، والضجيج، والخبز الطازج، وصړخة "يا بلاش" في الأسواق، وموال من عبد الوهاب ينساب من مقهى قديم. واليوم، تعود المدينة لتُكرَّم في فعالية حملت اسمها بكل فخر: "حلب مفتاح النصر".

في قاعة غصت بالناس، تحت رايات الوطن، وبين صورٍ تُفجّر الذكريات، انطلقت فعالية من نوع خاص. ليست حفلاً ولا مؤتمراً، بل لحظة صدق بين مدينة عرفت الحړب جيداً، وبين من بقي فيها، أو عاد إليها، أو اسټشهد ليحميها.

حلب... المدينة التي لم تنكسر

كل مدينة مرّت بالحړب لها حكاية، لكن لحلب حكاية من نوع آخر. بقيت وحدها في الواجهة، ټنزف بصمت، وتقاوم بكل عنادها التاريخي. حين كنا نتابع الأخبار في عام 2016، وقلوبنا معلّقة بها، كنا نعلم أن المعركة هناك لم تكن فقط لتحرير حي أو شارع... كانت معركة كرامة، وهوية، ومستقبل.

فعالية "حلب مفتاح النصر" جاءت بعد سنوات من الهدوء الذي فرضه الانتصار. لكنها لم تأتِ لتعيدنا إلى الماضي كذكرى فقط، بل لتعيد رسم الطريق من جديد، لأن حلب، ببساطة، ما زالت تتحدث، وتُرينا أن الشوارع التي تهدمت، يمكن أن تُزهر من جديد.

المكان امتلأ بالقصص... أكثر من الصور

عند دخول المعرض المصاحب للفعالية، لم تكن الصور مجرد مشاهد؛ كانت نوافذ على أيام عشناها أو سمعنا عنها من الأهل والجيران. صورة لطفل يركض في حي المشهد، وسيدة تمسك برغيف الخبز بيد وتلوّح للكاميرا باليد الأخرى، وعسكري يحتمي خلف جدار متهالك لكنه يبتسم... كل صورة كانت درساً في الحياة.

أكثر ما شدّني كان مقطع فيديو قصير، لامرأة تُرضع طفلها داخل ملجأ، بينما في الخلفية أصوات القصف لا تهدأ. هذا المشهد وحده يلخّص كل الحكاية: الناس اختاروا الحياة وسط المۏت.

شهادات كانت تُروى بدمعة

في إحدى الجلسات، وقف أحد الضباط المتقاعدين، رجل خمسيني ذو ملامح هادئة، وقال بصوت متهدج:
"حين دخلنا إلى الأحياء الشرقية آخر مرة، لم نكن نحمل فقط السلاح، بل كنّا نحمل قلوبنا بين أيدينا. لا أحد يحب الحړب، لكننا نعرف ماذا يعني أن تترك مدينة مثل حلب تسقط."

ثم صمت. وبكى.

بجانبه، شاب يعمل في الإسعاف منذ بداية الحړب، تحدّث عن يوم قضى فيه ساعات وهو يحمل الچرحى دون أن يعرف إن كان سيعود لأهله ليلاً. قال:
"أصعب شيء أن تسعف شخصاً تعرفه. رأيت زميلي يستشهد بين يدي... ولم يكن لدي وقت لأبكيه."

الناس: أبطال لم يظهروا على الشاشات

كثير ممن صمدوا في المدينة لم يكونوا جنوداً ولا إعلاميين. كانوا أمهات، آباء، عمالاً، طلاباً، وخبازين. كانوا أولئك الذين فتحوا أبواب بيوتهم للنازحين، والذين اقتسموا طعامهم في زمن الحصار. بعضهم حضر الفعالية، وجلس بهدوء، لا ينتظرون تصفيقاً ولا تكريماً.

في لحظة تكريم الشهداء، تقدّمت أم، ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، تحمل صورة ابنها، وتجلس دون أن تنطق. حين اقترب منها أحد المنظمين وسألها إن كانت تريد قول شيء، رفعت الصورة وقالت:
"ما بدي قول شي، بس بدي ابني يعرف إنه ما راح عبث."

من الموسيقى إلى المسرح... حلب تتنفس من جديد

لم تغب الروح الحلبية عن الفعالية. في إحدى الزوايا، غنّى فنان من أبناء المدينة أغنية تراثية من القدود القديمة، بصوت ممتلئ بالحب. لم يكن العرض فخماً، لكن صدقه اخترق القلوب.

كما قُدمت مسرحية قصيرة بعنوان "حلب لا ټموت"، عن أسرة رفضت مغادرة منزلها رغم القصف. المسرحية كانت بسيطة، بلا ديكور ولا إبهار، لكنها صادقة إلى درجة جعلت الكثيرين يجهشون بالبكاء.

رسائل بلا خطابات سياسية

لم يكن الهدف من الفعالية استعراضاً سياسياً، رغم أن السياسة حاضرة في كل تفاصيل حياة السوريين. لكنها حملت رسائل ذكية وهادئة:

أن من صمدوا في حلب يستحقون أن يُروى عنهم لا عن غيرهم.

أن المدينة التي قاومت لا يجب أن تُهمّش في إعادة الإعمار.

أن الثقافة، والموسيقى، والكتابة، جزء من المعركة أيضاً.

الختام: مشيٌ على الرماد بحثاً عن الأمل

في نهاية اليوم، وقفتُ خارج القاعة، أراقب شباناً يحملون الكاميرات، وآباءاً يشرحون لأطفالهم الصور المعلقة، وأمهات يُمسكن صور الشهداء. شعرت أن هذه الفعالية ليست حفلاً، بل هي طقس عودة... إلى الروح.

"حلب مفتاح النصر"، نعم. لكنها أيضاً مفتاح الذاكرة، ومفتاح الأمل، ومفتاح سوريا التي نعرفها ونحبها. سوريا التي حين تنهض مدينة من مدنها، تنهض كلها.